1ذعبارة عن هيكل مربع من الخشب قمته هرمية ، وعليه غطاء من الديباج الأسود المطرز بالنقوش الموشاة بالذهب . وللغطاء أهداب من الحرير في أطرافه السفلى ، وفي أعلاه خمس كرات من الفضة ، في أعلى كل منها هلال ، في الجزء الأعلى من الغطاء الذي يشمل مقدمة المحمل طرز بالذهب لرسم الكعبة المشرفة ، أما الجزء الداخلي من المحمل فيحتوي علي نسختين من القرآن الكريم حفظت كل واحدة منهما في صندوق مطلي بالفضة . ويُحمل المحمل علي جمل يمتاز بالقوة والصلابة ، ويصير الجمل بعد وضع المحمل عليه في صورة بديعة ، فبأعلاه قبة من الفضة المطلية ، ورقبة الجمل تحلي بالجواهر والريش ، وهذا الجمل لا يستخدم في شيء أخر طيلة حياته .
وهناك من يذهب إلي أن المحمل موجود قبل ظهور الإسلام ، ويعلل ذلك بأن المقصود بالمحمل الجمل الذي يحمل الهدايا إلي بيت الله الحرام ، وهذا أمر عادي يمكن حدوثه قبل ظهور الإسلام لأن العرب كانت تعزم الكعبة المشرفة وتحج إليها ، وهناك من أهدي عطايا ومال قبل الإسلام ، كما أن هناك من كساها قبل الإسلام .
والمحمل يرتبط في الأذهان بمصر لانفرادها ولفترات طويلة بإرسال الكسوة للبيت العتيق ، فاشتهر بالمحمل المصري ، غير أن لدينا محامل غير المحمل المصري ؛ هي : المحمل العراقي ، ومحمل اليمن ، ومحمل الشام ، والمحمل النبوي الذي كانت ترسله تركيا .
والمحمل المصري يعد أقدمهم وأكثرهم تنظيماً ، ولعل ذلك راجع إلي تاريخه ، ويمكننا أن نعيد ظهوره إلي زمن الخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ غير أنه ليس لدينا ما يوثق قولنا هذا سوى الاستنتاج البحثي المرتبط باستجلاب عمر بن الخطاب([i]) ـ رضي الله عنه ـ قماش القباطي لكسوة الكعبة من مدينة الفيوم المصرية ، واستمر الخلفاء من بعده علي ذلك ، وارتباط صناعة كسوة الكعبة المشرفة بمصر علي مدار التاريخ ، وقد واكب ذلك نشوء وتطور هذا المحمل ، خاصة وأن الجمل كان هو وسيلة النقل والمواصلات الرئيسية حتى عهد قريب .
وقد استحدث في زمن المماليك خروج المحمل مرتين فيما عرف بـ “دوران المحمل” ، وكان ذلك ؛ مرة في شهر رجب ، والثانية في شهر شوال . وكان التجديد في عهد الظاهر بيبرس بإعلان ارتباط الرحلة الثانية للمحمل برحلة الحج وموسمه حتى يتأهب كل من يرغب في الذهاب إلى الحج([ii]) . غير أن المقصود بـ “دوران المحمل” ؛ هو دوران المحمل سبعة لفات تمثلاً بعدد الأشواط التي يطوفها الحاج حول البيت العتيق في أدائه للفريضة .
ومن الذين اهتموا بالمحمل شجرة الدر التي بالغت في زينة المحمل ، وهي أول من منع الركوب عليه ، واقتصرت وظيفته علي حمل هدايا الكعبة والبيت الحرام ، وجعلت له تكوينه الخاص وزادت في زينته . ويذكر إدورد لين أن ظهور المحمل مرتبط بأداء شجرة الدر الحج علي هودج فاخر يحمله جمل ، وأنها ظلت ترسل هودجها خالياً مع قافلة الحج لعدة سنوات([iii]) ، “ ومن ذلك الحين أرسل ملوك مصر في التعاقب مع قافلة الحجاج سنوياً هودجاً يسمى “محملاً“رمزاً للملكية . ونهج نهجهم غيرهم من الملوك “([iv]) .
وكان خروج المحمل يصاحبه العديد من المظاهر الاحتفالية ؛ كتزيين الحوانيت واللعب بالرماح فوق الخيول . واقتصر خروج المحمل في عصر العثمانيين على مرة واحدة في النصف الثاني من شوال ، وكان الوالي أو نائبه يحضر خروج المحمل وكذا كبار المماليك والعلماء والأعيان . وكان الجمل الذي يحمل المحمل يمر في شوارع القاهرة ، وتسير وراءه الجمال التي تحمل الماء وأمتعة الحجاج والحجاج ، ثم خروج طوائف الجند وأمير الحج ، ثم رجال الطرق الصوفية يحملون البيارق والطبول والزمور . وكانت الناس تقف على جانبي الطريق أو تسير خلف المحمل يتبركون به ، ثم يتجه إلى بركة الخليج ، وهناك يخرج كبار الأمراء والعلماء والأهالي لتوديع أمير الحج والحجاج([v]) .
ومن العادات الطريفة التي كانت مرتبطة بخروج المحمل ؛ عادة “العادة” ، حيث تجوب شوارع القاهرة مجموعة من الأولاد متسلحين برؤوس السعف الغليظ (مقرعة) ، فإذا ما اقتربوا من مسيحي أو يهودي طلبوا منه أن يمنحهم “خمس فضة” قائلين : ” هات العادة ” . فإذا رفض انهالوا عليه بمقارعهم([vi]) .
وكان يُعين للمحمل أميراً يسمى “أمير المحمل” ، يكون من كبار أفراد الدولة ، ويُعهد إليه بقيادة قافلة الحجاج إلى مكة ، وتأمين عودتها وتوفير الحراسة الكافية لها ، والإشراف على تجهيزها من الجمال والبغال والخيام ، وسائر الاحتياجات واللوازم الضرورية في أثناء الرحلة . وكان من اختصاصه تحصيل ضريبة من التجار والموسرين لتغطية نفقات تصنيع الكسوة وتجهيز أموال الصرة الشريفة التي توزع على أهل الحرمين من أئمة المساجد وفقراء المسلمين في مكة والمدينة([vii]) .
وقد تميز عصر الخديوي إسماعيل بالعديد من المظاهر الاحتفالية ، لعل أكثرها الاهتمام بصناعة الكسوة ، وكانت تصنع من قطع صغيرة ثم ترسل إلى مسجد الحسين لحياكتها وذلك من خلال حاشية عريضة فاخرة ، وبعد إعداد الكسوة يتم وضعها على المحمل ، ويكون المحمل عبارة عن محفة ذات قمة هرمية زُينت بأبهى الزخارف ومغطاة بقماش حريري موشى بالذهب نُقش على جانبيه آيات من القرآن تعلوه قبة فضية . كما يزين الجمل الذي يحمل الكسوة بأفخر الزينة . ثم يلي المحمل قائد الجمال ، ثم الحجاج كل على جمله ، وأحياناً ما تكون الأسرة كاملة بكافة لوازمها ، وكان المحمل يسبقه جنود من المشاة وفرقة من الموسيقيين تمتطى الجمال ، ورجال القضاء والجيش ، والشخصيات الدينية والملكية بملابسهم الرسمية والنياشين ، ثم طوائف الدراويش([viii]) .
ويقدم لنا إبراهيم رفعت جانباً من الإحتفال المصري بخروج المحمل المصري بالكسوة إلي البيت العتيق ، وهو الإحتفال الذي حدث مشهده في السابع والعشرين من شوال سنة 1318 هـ / 1901 م ، والذي يبدأ الاستعاد له من يوم السادس والعشرين من شوال ، بأن “ أتي المجمل من مقره بوزارة المالية ونقل داخل صندوق علي عجلة إلي “وكالة الست“ بالجمالية حسب المعتاد من قديم ونقل جزء من كسوة الكعبة مع أحزمتها الحريرية المزركشة بالقصب من مصنعها بالخرنفش إلي المصطبة المعروفة بميدان صلاح الدين المعروف بيمدان القلعة أو ميدان محمد علي “([ix]) . ويحتفل في يوم الاستعداد ذاته بنقل كسوة المقام وباقي كسوة الكعبة ، التي تنقل إلي ميدان القلعة علي أكتاف الحمالين الذين يحيط بهم رجال الشرطة ويتقدمهم ما يشبه طابور العرض من رجال الجيش ، كل ذلك مصحوباً بموسيقي المزمار البلدي ، ويتقدم ركب الكسوة مدير مصنعها علي جواده بملابسه الرسمية (بدلة التشريفة) حاملاً علي يديه المبسوطتين كيس مفتاح الكعبة([x]) .
ويسير الموكب بهذا النظام من مصنع الكسوة إلي سبيل كتخدا* القريب من النحاسين ، إلي أن يلتقي المحمل بالكسوة ، ثم يكون خط سير موكب الاحتفال ـ كما يصفه إبراهيم رفعت ـ بأن يمر من “ النحاسين فالغورية فباب زويلة (بوابة المتولي) فالدرب الأحمر فالتبانة فالمحجر فميدان صلاح الدين “([xi]) . ويترك المحمل والكسوة للصباح التالي ، أما باقي اليوم فتنشر فيه الكسوة بمشتملاتها ويوضع حولها أربع شمعدانات من الفضة تحضر من مسجد القلعة ، وتحيي محافظة القاهرة الليلة بتلاوة القرآن وإنشاد المنشدين ، ويدعي العلماء والأعيان للمشاركة في هذه الليلة كما يدعى مشايخ الطرق الصوفية ، ويستمر الحفل إلي ما بعد منتصف الليل ويقدم الطعام ، وينفق علي هذا الاحتفال ـ حسب ما يذكر إبراهيم رفعت ـ مائة جنيه مصري([xii]) .
أما يوم الاحتفال نفسه ـ السابع والعشرين من شوال سنة 1318 هـ / 1901 م ؛ فيحضر الخديوي والوزراء والعلماء والأعيان ، وتطلق المدفعية لتحيته 21 طلقة مدفعية ، وتعزف الموسيقي ، ويهتف الضباط والجنود للخديوي ، ثم يجلس الخديوي ليشاهد دورات المجمل السبع([xiii]) .
“ وكان يقود جمل المحمل مدير مصنع الكسوة الذي قدّم المقود إلي سمو الخديو فقبله وناوله قاضي القضاة فقبله أيضاً مع بعض الحضور ثم أعاده إلي المأمور الذي ينتظر بالمحمل قبالة الجامع المعروف بالمحمودية بالميدان ريثما يتم استعراض الكسوة ، ثم عرضت الكسوة يحملها الخفراء علي سموه وقد وقف خارج الردهة مع الوزراء والحضور ، والخفراء يمرون بها من أمامهم حتى إذا ما انتهت استعرض الجيش ثم أطلق واحد وعشرون مدفعاً إذاناً بانتهاء الحفلة “([xiv]) .
وبعد انصراف الخديوي تحمل الكسوة ومشتملاتها وتسير مع المحمل إلي مسجد الحسين ـ رضي الله عنه ـ بصحبة رجال الشرطة والجيش ، فيستقبلها أمير الحج المصري وأمين الصرة ، “ وهنالك ضمت بالخياطة قطع الكسوة بعضها إلي بعض ثم نقلت إلي العباسية مع كسوة المقام في صناديقها المعدة لها استعداداً للسفر بهما إلي الحجاز “([xv]) .
أما المحمل فيعود إلي مصنع الكسوة ، ويبقي هناك إلي صباح يوم الاحتفال بخروجه إلي مكة ؛ “ ففي صبيحة هذا اليوم احتفل بنقله من المصنع إلي ميدان صلاح الدين ولكن من طريق سوق السلاح ، وفي ضحوة ذلك اليوم 13 ذي القعدة سنة 1318 ( 4 مارس 1901 ) عمل احتفال بالميدان المذكور كالاحتفال السابق وسلم فيه عبد الله فائق بك مدير مصنع لكسوة زمام المحمل إلي سمو الخديو وسموه سلمه لأمير الحج حيث قاده محفوفاً برجال الشرطة والجيش وأرباب الطرق إلي العباسية ليسافر من هنالك إلي السويس فمكة مع الكسوتين والروائح والخرق الجديدة التي تغسل بها الكعبة “([xvi]) .
وفي تاريخ مبكر عن الذي روي منه إبراهيم رفعت هيئة الاحتفال بخروج المحمل المصري ، يذكر إدوارد لين أن موكب الكسوة يبدأ من القلعة حيث مصنعها إلي مسجد الحسين حيث تخاط أقسام الكسوة وتجهز الكسوة استعداداً لسفرها علي المحمل إلي مكة([xvii]) .
وأمام مسجد الحسين يصطف المصريون من كافة الطبقات والأعمار لمشاهدة الموكب ، ففي الصباح الباكر تمر أجزاء الكسوة الأربعة محمولة وربوطة بالحبال لتوضع فوق حمير غير مزينة ولا مسرجة يوقودها حمارون عاديين في الجلباب الأزرق العادي ، وبعد ساعة من هذا يظهر الدراويش ، ثم حمالون يحملون ألواحاً خشبية علي كل لوح منها ربع حزام من حزام الكعبة ، وبعد نصف الساعة ظهرت الجمال المخضبة بالحناء ، وقد اعتلا الأولاد والبنات ظهورها ، وتبع هذه الجمال كانت الفرقة الموسيقية العسكرية ، ثم جمل منفرد يحمل ستارة الكعبة مفرودة للعرض ، ويتبعهم مجموعة من الدراويش بأعلامهم الخضراء ، ثم بعد ذلك يظهر المحمل([xviii]) .
أما موكب الاحتفال بخروج المحمل إلي مكة لإداء الفريضة ؛ فإنه يكون بعد شروق الشمس بثلاثة ساعات ، ويتقدم الموكب مدفع صفير يستخدم في إطلاق إشارة بدأ الرحيل ، يتبعه فرقتان من الفرسان الأتراك ، ثم عدة جمال عليها رجال يضربون علي نقارات مثبة أزواجاً علي الجمال ، ثم عدداً من الدراويش والعامة ، ثم تختروان أمير الحج المصري ؛ وهو مغطي بالجوخ الأحمر ويحمله جملان ؛ ثم بعض العرب ودليل الحاج ، ثم عدة جمال ومجموعات من الدراويش ، ثم عدداً من الضباط . ثم يأتي الوالي في فرقة عظيموة من الضباط ، ثم ياتي بعد ذلك جمال عديدة ، ثم المحمل نفسه ، فيتدافع الناس لملامسته وتقبيله ، ويبقي المحمل شمال القاهرة ثلاثة ايام قبل أن ينطلق غلي مكة المكرمة([xix]) .
ومن البدع التي ارتبطت بالمحمل المصري في عهد المماليك ؛ بدعة “عفاريت المحمل” ؛ فقد بدءها مجموعة من المماليك كانوا يلبسون زياً مضحكاً ويركبون الخيل ويزعجون الناس ، وقد بدأت هذه البدعة من بعض أفراد عامة الشعب بهدف الإضحاك ، ثم تحولت على يد المماليك إلى مصدر للإزعاج حيث يدخلون منازل الأثرياء ويفرضون عليهم إتاوة ليزيدوا من نفوذهم على الناس([xx]) .
وكما احتفل المصريون بخروج المجمل ، كانوا يحتفلون بعودته حاملاً الكسوة القديمة ، والتي كانت تقطع وتوزع علي المساجد والمشايخ كنوع من أنواع التبرك .
ولم تكن شهرة المحمل المصري نابعةٌ فقط من تجهيزه وتزينه ونظامه وعاداته وتقاليده وبدعه وخلافاته وكثرة الحجاج المصاحبين له ، ولكن لزعامة مصر التاريخية ، ولحمله للكسوة الشريفة . ولم يكن المحمل المصري مخصصاً للمصريين وجدهم ، بل كان يأتي معهم الحجاج المغاربة (غرب أفريقيا) والسودانيين . وكان للمحمل المصري نظاماً دقيقاً في تكوينه وتقسيمه ، فيكاد أن يشبه الجيش العسكري في دقته وصرامته ؛ ولولا هذه الدقة والصرامة لما استطاع أن يسير في الصحراء بهذه الآلاف من الحجاج وصولاً إلي مكة حيث كان يستقبل المحمل المصري أمير مكة .
ولقد لعبت الأوضاع السياسية الداخلية في مصر ؛ نتيجة لقيام ثورة يوليو 1952 ؛ دوراً في ظهور تغيرات في احتفالات المحمل ، حيث أُلغيت المواكب الرسمية بـ “دوران المحمل” نظراً لانشغال السلطة السياسية ولتأثير الأوضاع الاقتصادية السيئة التي عانتها مصر في بداية الثورة ومحاولات الاسترشاد في النفقات . وعلى الرغم من اندثار النمط الاحتفالي المصاحب للمحمل ، فقد استمرت صناعة الكسوة في مصر مع إرسالها إلى مكة المكرمة إلى حين بدأت المملكة العربية السعودية في صناعة الكسوة ، وذلك بعد الرخاء الاقتصادي الناتج عن تدفق عائدات البترول([xxi]) .
وصف المحمل المصري ؛ نقلاً عن إدوارد لين :
“ إطار مربع من الخشب هرمي القمة له ستر من الديباج الأسود ، عليه كتابة وزخارف مطرزة تطريزاً فاخراً بالذهب ، علي أرضية من الحرير الأخضر أو الأحمر في بعض الأجزاء ، ويحده هدبة حريرية ، وشراريب يعلوها كرات فضية … والمحمل لا يحوي شيئاً ، غير أن هناك مصحفين صغيرين ، أحدهما قرطاس ملفوف ، والأخر كتاب عادي ، داخل ندوقين من الفضة المذهبة ، يعلقان خارج المحمل في القمة … وتكون الكرات الخمس وأهلتها ، التي تزين المحمل ، من الفضة المذهبة . ويحمل المحمل علي جمل طويل جميل . وينعم هذا الجمل علي العموم باعفائه من العمل بقية حياته “([xxii]) .
أما المحمل الشامي ؛ ففي كتاب “دمشق في مطلع القرن العشرين” يوضح أحمد حلمي العلاف كيف كانت ترتب شؤون الحجيج أيام الدولة العثمانية ، والتفاصيل الدقيقة لكل مراسم المحمل الشامي بدءً من الإعداد له مروراً بمسيرته وانتهاء بالاحتفالات التي يقيمها الدمشقيون بعد عودة الحجاج من الأراضي المقدسة . وتبدأ مراسم المحمل في اليوم الأول لعيد الفطر ، وتسمى “مراسم الزيت والشمع والمحمل” ، حيث تصطف الفرق العسكرية أمام المسجد الأموي ، وتؤدي التحية لوالي المدينة وقائدها العسكري، وبعض كبار الموظفين ، وبعد الانتهاء تجرى حفلة إخراج الشموع والزيوت المهيأة لإرسالها مع موكب الحج إلى الحرمين الشريفين([xxiii]) .
والمحمل الشامي أصبح يحمل الأدوية الطبية التي يحتاج لها الحجاج في موسم الحج([xxiv]) ، بالإضافة إلي ما اعتاد علي حمله إلي امكة المكرمة ، وإلي خروج الحجاج بصحبته كما هو الحال في المحمل المصري وغيره من المحاميل .
وفي “يوم الزيت” ؛ وهو الثاني من شوال كل عام ؛ يتم الاحتفال بنقل الزيت من كفر سوسة ـ أحد ضواحي دمشق في الماضي وهو أحد أحيائها اليوم ـ على ظهور الإبل حتى الكيلار في البحصة ، وهو المستودع الخاص بأدوات محمل الحج ، أما في اليوم الثالث من شوال “يوم الشمع” ؛ فينقل الشمع باحتفال رسمي أيضاً ، من الدار التي سكب فيها في كفر سوسة ووزنه ثلاثة قناطير ، وماء الورد من محصول قرية المزة ـ وهو حي المزة المشهور في دمشق اليوم ـ ووزنه نحو قنطار ، والملبس ووزنه عشرة أرطال ، ويُحمل الشمع على أعناق الرجال ملفوفًا بالشال الكشمير لإهدائه إلى الحرمين ، وفي “يوم السنجق” يُخرج السنجق* الشريف ( الراية/اللواء) ، من القلعة حيث يُحتفظ به ، وينقل باحتفال مهيب إلى دائرة المشيرية ، ليستقبله المُشير ويضعه في قصره ([xxv]).
أما اليوم الرابع من هذه المراسم ؛ فهو “يوم المحمل” ، حيث يخرج موكب الحج الشريف مع المحمل والسنجق إلى حي الميدان ، ثم باب مصر ، ومنه إلى قرية القدم التي فيها قبة جامع العسالي ، وتحت هذه القبة ، يوضع المحمل نحو عشرة أيام ، ريثما تنتهي أسباب السفر إلى الحجاز([xxvi]) .
ويوضع المحمل على ظهر جملٍ جميل الشكل قوي وعال لا يستخدم لأي عمل سوى الحج ، ويحمل إضافة للمحمل الكسوة السلطانية إلى الكعبة الشريفة ، وبعد وصول المحمل إلى العسالي ، ينتظر تجمع الحجاج يومًا أو يومين ، حيث تسير قافلة أمير الحج في طريقها([xxvii]) .
وبعد أن غادر الأتراك الحجاز ، أوقفت سوريا إرسال المحمل الشامي ، ومنذ عام 1923 م ؛ أصبحت مصر هي التي ترسل الأدوية الطبية إلي مكة المكرمة([xxviii]) .
وأما المحمل التركي أو “المحمل النبوي الشريف” فتعود أهميته في تركيا إلي أنه يحمل أستار الكعبة الداخلية الجديدة ، ولأنه يحمل الصرة السلطانية التي تحتوي على أموال وهدايا تُرسَل إلى مدينة الرسول رمزاً للولاء والحب والإخلاص ، فتزين المساجد بأضواء براقة ، وتقام حولها السرادقات ؛ لإطعام المساكين ، وتحيى الليالي بتلاوة القرآن والدروس الدينية والأناشيد في مدح المصطفى ـ صلي الله عليه وسلم ، كما يتحدث الأئمة في المساجد عن حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم .
وفي قصر الخلافة “قصر طوب قابي” ؛ فتُزيَّن كل أرجاء القصر ، وتقام الخيام العظيمة ، وتُبسط السجاجيد والبُسط ، والستائر المذهبة ، والأزهار والورود الزاهية في أنحائه حتى يتحول إلى عروس رائعة الجمال . فالقصر يستقبل موكب المحمل إلى مدينة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام . وتستمر الاحتفالات حتى الثاني عشر من شهر رجب ؛ حيث تمضي الأيام باستقبال الضيوف من أعيان وعلماء أتوا من بلاد مختلفة ، وإلقاء الدروس الدينية ، وتلاوة القرآن الكريم والأناشيد النبوية . فالقصر في مهرجان دائم وعيد سعيد حتى يوم خروج المحمل .
ومن المراسم أن يدخل السلطان إلى صالة الديوان ، فيقوم له الحاضرون بإجلال عظيم ، ويُتلى القرآن الكريم ، ويأتي أغوات الحرم بأكياس ممتلئة بسجلات الصرة السلطانية ؛ ليتم تسليمها إلى أمين الصرة الذي يختاره السلطان من العلماء أو الجند أو الأشراف ، كما يتم الإعلان عما تحتويه الصرة أمام السلطان والحاضرين ، ويخرج الجميع إلى ساحة القصر الكبيرة ؛ حيث يكون الموكب جاهزاً للانطلاق ، وهو يتألف من مئات الجمال المحملة بالهدايا ، ومئات من الفرسان المدججين بالسلاح ، وعلى رأسهم “جمل المحمل“([xxix]) .
ثم تبدأ الحركة ، ويبدأ صوت رخيم بتلاوة القرآن ، ويمشي جمل المحمل بخطوات بطيئة فيمر من أمام السلطان ، ويتبعه الموكب الكبير . ويخرج الموكب من حديقة القصر متجها إلى الميناء ، والطريق يغص بالجماهير الذين جاءوا ليشهدوا هذه اللحظات العظيمة ، ويودعوا المحمل . وترتفع الأصوات بالأناشيد والأدعية ، وتسيل الدموع على الخدود ، وبعد لحظات تتضاءل صورة الموكب وسط البحر على المراكب الشراعية ، كلما ابتعد عن هذه الضفة ، واقترب من منطقة أسكدار في الضفة المقابلة ، ويغيب تماماً([xxx]) .
ومن أسكدار يتجه الموكب إلى بلاد الشام ، وينضم إليه أشخاص قد أزمعوا الحج إلى بيت الله الحرام حتى يزيد عددهم عن الألف . ومن المقرر أن يصل الموكب إلى مكة المكرمة يوم عيد الأضحى المبارك . وليست احتفالات استقبال المحمل النبوي الشريف في مكة المكرمة بأقل ابتهاجاً من احتفالات تشييعه من إستانبول .. ولم لا ، وهو قادم من مقر الخلافة ـ وقتها ، ويحمل ستار الكعبة المعظمة ، وهدايا السلطان وأشواق القلوب التي لم تتمكن من زيارة بيت الله الحرام هذا العام ؟
وبعد أن يتم توزيع الصرة السلطانية على أماكنها المخصصة ، ويرسل شريف مكة خطاب شكر ودعاء إلى السلطان يحمله إليه شخص يُدعى “حامل البشارة” .
* كتخدا : كلمة تركية تعني الوكيل الذي ينوب عن السلطان .
* السنجق : هو كلمة فارسية ، وهي تعني العلم .
( [i] ) راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 253 .
( [ii] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html
( [iii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ ترجمة : عدلي طاهر نور ـ الجزء الثاني ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ الطبعة الثالثة ـ سلسلة ذاكرة الكتابة ـ العدد الرابع ـ القاهرة ـ مصر ـ 1998 م ـ ص 106 .
( [iv] ) المصدر السابق ـ ص ص 106 ـ 107 .
( [v] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html
( [vi] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 108 ـ 109 .
( [vii] ) حازم يونس ـ المحمل المصري .. سفير فوق العادة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 24/12/2006 ـ http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1178193412550&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout
( [viii] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html
( [ix] ) إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 9 ـ 10.
( [x] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 10.
( [xi] ) المصدر السابق نفسه .
( [xii] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص ص 10 ـ 11 .
( [xiii] ) راجع ؛ المصدر السابق ص 11 .
وكذلك راجع ؛ المصدر السابق ص 9 .
( [xiv] ) المصدر السابق ـ ص 11 .
( [xv] ) المصدر السابق نفسه .
( [xvi] ) المصدر السابق ـ ص 12 .
( [xvii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 151.
( [xviii] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 151 وما بعدها .
( [xix]) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص ص 155 ـ 158 .
( [xx] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Devils.html
( [xxi] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/RESTof%20mahmel.html
( [xxii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 105 ـ 106 .
( [xxiii] ) وحيد تاجا ـ محمل الشام.. صورة من أيام الحج البعيدة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 20/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article08.shtml
( [xxiv] ) راجع ؛ أحمد إبراهيم أبو شوك ـ التواصل الحضاري بين الحجاز وأرخبيل الملايو ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 166 .
( [xxv] ) راجع ؛ وحيد تاجا ـ محمل الشام.. صورة من أيام الحج البعيدة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 20/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article08.shtml .
( [xxvi] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [xxvii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [xxviii] ) راجع ؛ أحمد إبراهيم أبو شوك ـ التواصل الحضاري بين الحجاز وأرخبيل الملايو ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 166 .
( [xxix] ) نوزات صواش ـ المحمل الشريف.. أشواق إلى قرية الحبيب ـ موقع إسلام أون لاين ـ 17/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article05.shtml
( [xxx] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .






