المحمل

1ذعبارة عن هيكل مربع من الخشب قمته هرمية ، وعليه غطاء من الديباج الأسود المطرز بالنقوش الموشاة بالذهب . وللغطاء أهداب من الحرير في أطرافه السفلى ، وفي أعلاه خمس كرات من الفضة ، في أعلى كل منها هلال ، في الجزء الأعلى من الغطاء الذي يشمل مقدمة المحمل طرز بالذهب لرسم الكعبة المشرفة ، أما الجزء الداخلي من المحمل فيحتوي علي نسختين من القرآن الكريم حفظت كل واحدة منهما في صندوق مطلي بالفضة . ويُحمل المحمل علي جمل يمتاز بالقوة والصلابة ، ويصير الجمل بعد وضع المحمل عليه في صورة بديعة ، فبأعلاه قبة من الفضة المطلية ، ورقبة الجمل تحلي بالجواهر والريش ، وهذا الجمل لا يستخدم في شيء أخر طيلة حياته .

وهناك من يذهب إلي أن المحمل موجود قبل ظهور الإسلام ، ويعلل ذلك بأن المقصود بالمحمل الجمل الذي يحمل الهدايا إلي بيت الله الحرام ، وهذا أمر عادي يمكن حدوثه قبل ظهور الإسلام لأن العرب كانت تعزم الكعبة المشرفة وتحج إليها ، وهناك من أهدي عطايا ومال قبل الإسلام ، كما أن هناك من كساها قبل الإسلام .

والمحمل يرتبط في الأذهان بمصر لانفرادها ولفترات طويلة بإرسال الكسوة للبيت العتيق ، فاشتهر بالمحمل المصري ، غير أن لدينا محامل غير المحمل المصري ؛ هي : المحمل العراقي ، ومحمل اليمن ، ومحمل الشام ، والمحمل النبوي الذي كانت ترسله تركيا .

والمحمل المصري يعد أقدمهم وأكثرهم تنظيماً ، ولعل ذلك راجع إلي تاريخه ، ويمكننا أن نعيد ظهوره إلي زمن الخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ غير أنه ليس لدينا ما يوثق قولنا هذا سوى الاستنتاج البحثي المرتبط باستجلاب عمر بن الخطاب([i]) ـ رضي الله عنه ـ قماش القباطي لكسوة الكعبة من مدينة الفيوم المصرية ، واستمر الخلفاء من بعده علي ذلك ، وارتباط صناعة كسوة الكعبة المشرفة بمصر علي مدار التاريخ ، وقد واكب ذلك نشوء وتطور هذا المحمل ، خاصة وأن الجمل كان هو وسيلة النقل والمواصلات الرئيسية حتى عهد قريب .

وقد استحدث في زمن المماليك خروج المحمل مرتين فيما عرف بـ “دوران المحمل” ، وكان ذلك ؛ مرة في شهر رجب ، والثانية في شهر شوال . وكان التجديد في عهد الظاهر بيبرس بإعلان ارتباط الرحلة الثانية للمحمل برحلة الحج وموسمه حتى يتأهب كل من يرغب في الذهاب إلى الحج([ii]) . غير أن المقصود بـ “دوران المحمل” ؛ هو دوران المحمل سبعة لفات تمثلاً بعدد الأشواط التي يطوفها الحاج حول البيت العتيق في أدائه للفريضة .

ومن الذين اهتموا بالمحمل شجرة الدر التي بالغت في زينة المحمل ، وهي أول من منع الركوب عليه ، واقتصرت وظيفته علي حمل هدايا الكعبة والبيت الحرام ، وجعلت له تكوينه الخاص وزادت في زينته . ويذكر إدورد لين أن ظهور المحمل مرتبط بأداء شجرة الدر الحج علي هودج فاخر يحمله جمل ، وأنها ظلت ترسل هودجها خالياً مع قافلة الحج لعدة سنوات([iii]) ، “ ومن ذلك الحين أرسل ملوك مصر في التعاقب مع قافلة الحجاج سنوياً هودجاً يسمى محملاًرمزاً للملكية . ونهج نهجهم غيرهم من الملوك ([iv]) .

وكان خروج المحمل يصاحبه العديد من المظاهر الاحتفالية ؛ كتزيين الحوانيت واللعب بالرماح فوق الخيول . واقتصر خروج المحمل في عصر العثمانيين على مرة واحدة في النصف الثاني من شوال ، وكان الوالي أو نائبه يحضر خروج المحمل وكذا كبار المماليك والعلماء والأعيان . وكان الجمل الذي يحمل المحمل يمر في شوارع القاهرة ، وتسير وراءه الجمال التي تحمل الماء وأمتعة الحجاج والحجاج ، ثم خروج طوائف الجند وأمير الحج ، ثم رجال الطرق الصوفية يحملون البيارق والطبول والزمور . وكانت الناس تقف على جانبي الطريق أو تسير خلف المحمل يتبركون به ، ثم يتجه إلى بركة الخليج ، وهناك يخرج كبار الأمراء والعلماء والأهالي لتوديع أمير الحج والحجاج([v]) .

ومن العادات الطريفة التي كانت مرتبطة بخروج المحمل ؛ عادة “العادة” ، حيث تجوب شوارع القاهرة مجموعة من الأولاد متسلحين برؤوس السعف الغليظ (مقرعة) ، فإذا ما اقتربوا من مسيحي أو يهودي طلبوا منه أن يمنحهم “خمس فضة” قائلين : ” هات العادة ” . فإذا رفض انهالوا عليه بمقارعهم([vi]) .

وكان يُعين للمحمل أميراً يسمى “أمير المحمل” ، يكون من كبار أفراد الدولة ، ويُعهد إليه بقيادة قافلة الحجاج إلى مكة ، وتأمين عودتها وتوفير الحراسة الكافية لها ، والإشراف على تجهيزها من الجمال والبغال والخيام ، وسائر الاحتياجات واللوازم الضرورية في أثناء الرحلة . وكان من اختصاصه تحصيل ضريبة من التجار والموسرين لتغطية نفقات تصنيع الكسوة وتجهيز أموال الصرة الشريفة التي توزع على أهل الحرمين من أئمة المساجد وفقراء المسلمين في مكة والمدينة([vii]) .

وقد تميز عصر الخديوي إسماعيل بالعديد من المظاهر الاحتفالية ، لعل أكثرها الاهتمام بصناعة الكسوة ، وكانت تصنع من قطع صغيرة ثم ترسل إلى مسجد الحسين لحياكتها وذلك من خلال حاشية عريضة فاخرة ، وبعد إعداد الكسوة يتم وضعها على المحمل ، ويكون المحمل عبارة عن محفة ذات قمة هرمية زُينت بأبهى الزخارف ومغطاة بقماش حريري موشى بالذهب نُقش على جانبيه آيات من القرآن تعلوه قبة فضية . كما يزين الجمل الذي يحمل الكسوة بأفخر الزينة . ثم يلي المحمل قائد الجمال ، ثم الحجاج كل على جمله ، وأحياناً ما تكون الأسرة كاملة بكافة لوازمها ، وكان المحمل يسبقه جنود من المشاة وفرقة من الموسيقيين تمتطى الجمال ، ورجال القضاء والجيش ، والشخصيات الدينية والملكية بملابسهم الرسمية والنياشين ، ثم طوائف الدراويش([viii]) .

ويقدم لنا إبراهيم رفعت جانباً من الإحتفال المصري بخروج المحمل المصري بالكسوة إلي البيت العتيق ، وهو الإحتفال الذي حدث مشهده في السابع والعشرين من شوال سنة 1318 هـ / 1901 م ، والذي يبدأ الاستعاد له من يوم السادس والعشرين من شوال ، بأن “ أتي المجمل من مقره بوزارة المالية ونقل داخل صندوق علي عجلة إلي وكالة الست بالجمالية حسب المعتاد من قديم ونقل جزء من كسوة الكعبة مع أحزمتها الحريرية المزركشة بالقصب من مصنعها بالخرنفش إلي المصطبة المعروفة بميدان صلاح الدين المعروف بيمدان القلعة أو ميدان محمد علي ([ix]) . ويحتفل في يوم الاستعداد ذاته بنقل كسوة المقام وباقي كسوة الكعبة ، التي تنقل إلي ميدان القلعة علي أكتاف الحمالين الذين يحيط بهم رجال الشرطة ويتقدمهم ما يشبه طابور العرض من رجال الجيش ، كل ذلك مصحوباً بموسيقي المزمار البلدي ، ويتقدم ركب الكسوة مدير مصنعها علي جواده بملابسه الرسمية (بدلة التشريفة) حاملاً علي يديه المبسوطتين كيس مفتاح الكعبة([x]) .

ويسير الموكب بهذا النظام من مصنع الكسوة إلي سبيل كتخدا* القريب من النحاسين ، إلي أن يلتقي المحمل بالكسوة ، ثم يكون خط سير موكب الاحتفال ـ كما يصفه إبراهيم رفعت ـ بأن يمر من “ النحاسين فالغورية فباب زويلة (بوابة المتولي) فالدرب الأحمر فالتبانة فالمحجر فميدان صلاح الدين ([xi]) . ويترك المحمل والكسوة للصباح التالي ، أما باقي اليوم فتنشر فيه الكسوة بمشتملاتها ويوضع حولها أربع شمعدانات من الفضة تحضر من مسجد القلعة ، وتحيي محافظة القاهرة الليلة بتلاوة القرآن وإنشاد المنشدين ، ويدعي العلماء والأعيان للمشاركة في هذه الليلة كما يدعى مشايخ الطرق الصوفية ، ويستمر الحفل إلي ما بعد منتصف الليل ويقدم الطعام ، وينفق علي هذا الاحتفال ـ حسب ما يذكر إبراهيم رفعت ـ مائة جنيه مصري([xii]) .

أما يوم الاحتفال نفسه ـ السابع والعشرين من شوال سنة 1318 هـ / 1901 م ؛ فيحضر الخديوي والوزراء والعلماء والأعيان ، وتطلق المدفعية لتحيته 21 طلقة مدفعية ، وتعزف الموسيقي ، ويهتف الضباط والجنود للخديوي ، ثم يجلس الخديوي ليشاهد دورات المجمل السبع([xiii]) .

وكان يقود جمل المحمل مدير مصنع الكسوة الذي قدّم المقود إلي سمو الخديو فقبله وناوله قاضي القضاة فقبله أيضاً مع بعض الحضور ثم أعاده إلي المأمور الذي ينتظر بالمحمل قبالة الجامع المعروف بالمحمودية بالميدان ريثما يتم استعراض الكسوة ، ثم عرضت الكسوة يحملها الخفراء علي سموه وقد وقف خارج الردهة مع الوزراء والحضور ، والخفراء يمرون بها من أمامهم حتى إذا ما انتهت استعرض الجيش ثم أطلق واحد وعشرون مدفعاً إذاناً بانتهاء الحفلة ([xiv]) .

وبعد انصراف الخديوي تحمل الكسوة ومشتملاتها وتسير مع المحمل إلي مسجد الحسين ـ رضي الله عنه ـ بصحبة رجال الشرطة والجيش ، فيستقبلها أمير الحج المصري وأمين الصرة ، “ وهنالك ضمت بالخياطة قطع الكسوة بعضها إلي بعض ثم نقلت إلي العباسية مع كسوة المقام في صناديقها المعدة لها استعداداً للسفر بهما إلي الحجاز ([xv]) .

أما المحمل فيعود إلي مصنع الكسوة ، ويبقي هناك إلي صباح يوم الاحتفال بخروجه إلي مكة ؛ “ ففي صبيحة هذا اليوم احتفل بنقله من المصنع إلي ميدان صلاح الدين ولكن من طريق سوق السلاح ، وفي ضحوة ذلك اليوم 13 ذي القعدة سنة 1318 ( 4 مارس 1901 ) عمل احتفال بالميدان المذكور كالاحتفال السابق وسلم فيه عبد الله فائق بك مدير مصنع لكسوة زمام المحمل إلي سمو الخديو وسموه سلمه لأمير الحج حيث قاده محفوفاً برجال الشرطة والجيش وأرباب الطرق إلي العباسية ليسافر من هنالك إلي السويس فمكة مع الكسوتين والروائح والخرق الجديدة التي تغسل بها الكعبة ([xvi]) .

وفي تاريخ مبكر عن الذي روي منه إبراهيم رفعت هيئة الاحتفال بخروج المحمل المصري ، يذكر إدوارد لين أن موكب الكسوة يبدأ من القلعة حيث مصنعها إلي مسجد الحسين حيث تخاط أقسام الكسوة وتجهز الكسوة استعداداً لسفرها علي المحمل إلي مكة([xvii]) .

وأمام مسجد الحسين يصطف المصريون من كافة الطبقات والأعمار لمشاهدة الموكب ، ففي الصباح الباكر تمر أجزاء الكسوة الأربعة محمولة وربوطة بالحبال لتوضع فوق حمير غير مزينة ولا مسرجة يوقودها حمارون عاديين في الجلباب الأزرق العادي ، وبعد ساعة من هذا يظهر الدراويش ، ثم حمالون يحملون ألواحاً خشبية علي كل لوح منها ربع حزام من حزام الكعبة ، وبعد نصف الساعة ظهرت الجمال المخضبة بالحناء ، وقد اعتلا الأولاد والبنات ظهورها ، وتبع هذه الجمال كانت الفرقة الموسيقية العسكرية ، ثم جمل منفرد يحمل ستارة الكعبة مفرودة للعرض ، ويتبعهم مجموعة من الدراويش بأعلامهم الخضراء ، ثم بعد ذلك يظهر المحمل([xviii]) .

أما موكب الاحتفال بخروج المحمل إلي مكة لإداء الفريضة ؛ فإنه يكون بعد شروق الشمس بثلاثة ساعات ، ويتقدم الموكب مدفع صفير يستخدم في إطلاق إشارة بدأ الرحيل ، يتبعه فرقتان من الفرسان الأتراك ، ثم عدة جمال عليها رجال يضربون علي نقارات مثبة أزواجاً علي الجمال ، ثم عدداً من الدراويش والعامة ، ثم تختروان أمير الحج المصري ؛ وهو مغطي بالجوخ الأحمر ويحمله جملان ؛ ثم بعض العرب ودليل الحاج ، ثم عدة جمال ومجموعات من الدراويش ، ثم عدداً من الضباط . ثم يأتي الوالي في فرقة عظيموة من الضباط  ، ثم ياتي بعد ذلك جمال عديدة ، ثم المحمل نفسه ، فيتدافع الناس لملامسته وتقبيله ، ويبقي المحمل شمال القاهرة ثلاثة ايام قبل أن ينطلق غلي مكة المكرمة([xix]) .

ومن البدع التي ارتبطت بالمحمل المصري في عهد المماليك ؛ بدعة “عفاريت المحمل” ؛ فقد بدءها مجموعة من المماليك كانوا يلبسون زياً مضحكاً ويركبون الخيل ويزعجون الناس ، وقد بدأت هذه البدعة من بعض أفراد عامة الشعب بهدف الإضحاك ، ثم تحولت على يد المماليك إلى مصدر للإزعاج حيث يدخلون منازل الأثرياء ويفرضون عليهم إتاوة ليزيدوا من نفوذهم على الناس([xx]) .

وكما احتفل المصريون بخروج المجمل ، كانوا يحتفلون بعودته حاملاً الكسوة القديمة ، والتي كانت تقطع وتوزع علي المساجد والمشايخ كنوع من أنواع التبرك .

ولم تكن شهرة المحمل المصري نابعةٌ فقط من تجهيزه وتزينه ونظامه وعاداته وتقاليده وبدعه وخلافاته وكثرة الحجاج المصاحبين له ، ولكن لزعامة مصر التاريخية ، ولحمله للكسوة الشريفة . ولم يكن المحمل المصري مخصصاً للمصريين وجدهم ، بل كان يأتي معهم الحجاج المغاربة (غرب أفريقيا) والسودانيين . وكان للمحمل المصري نظاماً دقيقاً في تكوينه وتقسيمه ، فيكاد أن يشبه الجيش العسكري في دقته وصرامته ؛ ولولا هذه الدقة والصرامة لما استطاع أن يسير في الصحراء بهذه الآلاف من الحجاج وصولاً إلي مكة حيث كان يستقبل المحمل المصري أمير مكة .

ولقد لعبت الأوضاع السياسية الداخلية في مصر ؛ نتيجة لقيام ثورة يوليو 1952 ؛ دوراً في  ظهور تغيرات في احتفالات المحمل ، حيث أُلغيت المواكب الرسمية بـ “دوران المحمل” نظراً لانشغال السلطة السياسية ولتأثير الأوضاع الاقتصادية السيئة التي عانتها مصر في بداية الثورة ومحاولات الاسترشاد في النفقات . وعلى الرغم من اندثار النمط الاحتفالي المصاحب للمحمل ، فقد استمرت صناعة الكسوة في مصر مع إرسالها إلى مكة المكرمة إلى حين بدأت المملكة العربية السعودية في صناعة الكسوة ، وذلك بعد الرخاء الاقتصادي الناتج عن تدفق عائدات البترول([xxi]) .

وصف المحمل المصري ؛ نقلاً عن إدوارد لين :

إطار مربع من الخشب هرمي القمة له ستر من الديباج الأسود ، عليه كتابة وزخارف مطرزة تطريزاً فاخراً بالذهب ، علي أرضية من الحرير الأخضر أو الأحمر في بعض الأجزاء ، ويحده هدبة حريرية ، وشراريب يعلوها كرات فضية … والمحمل لا يحوي شيئاً ، غير أن هناك مصحفين صغيرين ، أحدهما قرطاس ملفوف ، والأخر كتاب عادي ، داخل ندوقين من الفضة المذهبة ، يعلقان خارج المحمل في القمة … وتكون الكرات الخمس وأهلتها ، التي تزين المحمل ، من الفضة المذهبة . ويحمل المحمل علي جمل طويل جميل . وينعم هذا الجمل علي العموم باعفائه من العمل بقية حياته ([xxii]) .

أما المحمل الشامي ؛ ففي كتاب “دمشق في مطلع القرن العشرين” يوضح أحمد حلمي العلاف كيف كانت ترتب شؤون الحجيج أيام الدولة العثمانية ، والتفاصيل الدقيقة لكل مراسم المحمل الشامي بدءً من الإعداد له مروراً بمسيرته وانتهاء بالاحتفالات التي يقيمها الدمشقيون بعد عودة الحجاج من الأراضي المقدسة . وتبدأ مراسم المحمل في اليوم الأول لعيد الفطر ، وتسمى “مراسم الزيت والشمع والمحمل” ، حيث تصطف الفرق العسكرية أمام المسجد الأموي ، وتؤدي التحية لوالي المدينة وقائدها العسكري، وبعض كبار الموظفين ، وبعد الانتهاء تجرى حفلة إخراج الشموع والزيوت المهيأة لإرسالها مع موكب الحج إلى الحرمين الشريفين([xxiii]) .

والمحمل الشامي أصبح يحمل الأدوية الطبية التي يحتاج لها الحجاج في موسم الحج([xxiv]) ، بالإضافة إلي ما اعتاد علي حمله إلي امكة المكرمة ، وإلي خروج الحجاج بصحبته كما هو الحال في المحمل المصري وغيره من المحاميل .

وفي “يوم الزيت” ؛ وهو الثاني من شوال كل عام ؛ يتم الاحتفال بنقل الزيت من كفر سوسة ـ أحد ضواحي دمشق في الماضي وهو أحد أحيائها اليوم ـ على ظهور الإبل حتى الكيلار في البحصة ، وهو المستودع الخاص بأدوات محمل الحج ، أما في اليوم الثالث من شوال “يوم الشمع” ؛ فينقل الشمع باحتفال رسمي أيضاً ، من الدار التي سكب فيها في كفر سوسة ووزنه ثلاثة قناطير ، وماء الورد من محصول قرية المزة ـ وهو حي المزة المشهور في دمشق اليوم ـ ووزنه نحو قنطار ، والملبس ووزنه عشرة أرطال ، ويُحمل الشمع على أعناق الرجال ملفوفًا بالشال الكشمير لإهدائه إلى الحرمين ، وفي “يوم السنجق” يُخرج السنجق* الشريف ( الراية/اللواء) ، من القلعة حيث يُحتفظ به ، وينقل باحتفال مهيب إلى دائرة المشيرية ، ليستقبله المُشير ويضعه في قصره ([xxv]).

أما اليوم الرابع من هذه المراسم ؛ فهو “يوم المحمل” ، حيث يخرج موكب الحج الشريف مع المحمل والسنجق إلى حي الميدان ، ثم باب مصر ، ومنه إلى قرية القدم التي فيها قبة جامع العسالي ، وتحت هذه القبة ، يوضع المحمل نحو عشرة أيام ، ريثما تنتهي أسباب السفر إلى الحجاز([xxvi]) .

ويوضع المحمل على ظهر جملٍ جميل الشكل قوي وعال لا يستخدم لأي عمل سوى الحج ، ويحمل إضافة للمحمل الكسوة السلطانية إلى الكعبة الشريفة ، وبعد وصول المحمل إلى العسالي ، ينتظر تجمع الحجاج يومًا أو يومين ، حيث تسير قافلة أمير الحج في طريقها([xxvii]) .

وبعد أن غادر الأتراك الحجاز ، أوقفت سوريا إرسال المحمل الشامي ، ومنذ عام 1923 م ؛ أصبحت مصر هي التي ترسل الأدوية الطبية إلي مكة المكرمة([xxviii]) .

وأما المحمل التركي أو “المحمل النبوي الشريف” فتعود أهميته في تركيا إلي أنه يحمل أستار الكعبة الداخلية الجديدة ، ولأنه يحمل الصرة السلطانية التي تحتوي على أموال وهدايا تُرسَل إلى مدينة الرسول رمزاً للولاء والحب والإخلاص ، فتزين المساجد بأضواء براقة ، وتقام حولها السرادقات ؛ لإطعام المساكين ، وتحيى الليالي بتلاوة القرآن والدروس الدينية والأناشيد في مدح المصطفى ـ صلي الله عليه وسلم ، كما يتحدث الأئمة في المساجد عن حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم .

وفي قصر الخلافة “قصر طوب قابي” ؛ فتُزيَّن كل أرجاء القصر ، وتقام الخيام العظيمة ، وتُبسط السجاجيد والبُسط ، والستائر المذهبة ، والأزهار والورود الزاهية في أنحائه حتى يتحول إلى عروس رائعة الجمال . فالقصر يستقبل موكب المحمل إلى مدينة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام . وتستمر الاحتفالات حتى الثاني عشر من شهر رجب ؛ حيث تمضي الأيام باستقبال الضيوف من أعيان وعلماء أتوا من بلاد مختلفة ، وإلقاء الدروس الدينية ، وتلاوة القرآن الكريم والأناشيد النبوية . فالقصر في مهرجان دائم وعيد سعيد حتى يوم خروج المحمل .

ومن المراسم أن يدخل السلطان إلى صالة الديوان ، فيقوم له الحاضرون بإجلال عظيم ، ويُتلى القرآن الكريم ، ويأتي أغوات الحرم بأكياس ممتلئة بسجلات الصرة السلطانية ؛ ليتم تسليمها إلى أمين الصرة الذي يختاره السلطان من العلماء أو الجند أو الأشراف ، كما يتم الإعلان عما تحتويه الصرة أمام السلطان والحاضرين ، ويخرج الجميع إلى ساحة القصر الكبيرة ؛ حيث يكون الموكب جاهزاً للانطلاق ، وهو يتألف من مئات الجمال المحملة بالهدايا ، ومئات من الفرسان المدججين بالسلاح ، وعلى رأسهم “جمل المحمل([xxix]) .

ثم تبدأ الحركة ، ويبدأ صوت رخيم بتلاوة القرآن ، ويمشي جمل المحمل بخطوات بطيئة فيمر من أمام السلطان ، ويتبعه الموكب الكبير . ويخرج الموكب من حديقة القصر متجها إلى الميناء ، والطريق يغص بالجماهير الذين جاءوا ليشهدوا هذه اللحظات العظيمة ، ويودعوا المحمل . وترتفع الأصوات بالأناشيد والأدعية ، وتسيل الدموع على الخدود ، وبعد لحظات تتضاءل صورة الموكب وسط البحر على المراكب الشراعية ، كلما ابتعد عن هذه الضفة ، واقترب من منطقة أسكدار في الضفة المقابلة ، ويغيب تماماً([xxx]) .

ومن أسكدار يتجه الموكب إلى بلاد الشام ، وينضم إليه أشخاص قد أزمعوا الحج إلى بيت الله الحرام حتى يزيد عددهم عن الألف . ومن المقرر أن يصل الموكب إلى مكة المكرمة يوم عيد الأضحى المبارك . وليست احتفالات استقبال المحمل النبوي الشريف في مكة المكرمة بأقل ابتهاجاً من احتفالات تشييعه من إستانبول .. ولم لا ، وهو قادم من مقر الخلافة ـ وقتها ، ويحمل ستار الكعبة المعظمة ، وهدايا السلطان وأشواق القلوب التي لم تتمكن من زيارة بيت الله الحرام هذا العام ؟

 وبعد أن يتم توزيع الصرة السلطانية على أماكنها المخصصة ، ويرسل شريف مكة خطاب شكر ودعاء إلى السلطان يحمله إليه شخص يُدعى “حامل البشارة” .


* كتخدا : كلمة تركية تعني الوكيل الذي ينوب عن السلطان .

* السنجق : هو كلمة فارسية ، وهي تعني العلم .


( [i] ) راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 253 .

( [ii] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html

( [iii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ ترجمة : عدلي طاهر نور ـ الجزء الثاني ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ الطبعة الثالثة ـ سلسلة ذاكرة الكتابة ـ العدد الرابع ـ القاهرة ـ مصر ـ 1998 م ـ ص 106 .

( [iv] ) المصدر السابق ـ ص ص 106 ـ 107 .

( [v] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html

( [vi] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 108 ـ 109 .

( [vii] ) حازم يونس ـ المحمل المصري .. سفير فوق العادة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 24/12/2006 ـ http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1178193412550&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout

( [viii] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Mahmalandmov.html

( [ix] ) إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 9 ـ 10.

( [x] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 10.

( [xi] ) المصدر السابق نفسه .

( [xii] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص ص 10 ـ 11 .

( [xiii] ) راجع ؛ المصدر السابق ص 11 .

         وكذلك راجع ؛ المصدر السابق ص 9 .

( [xiv] ) المصدر السابق ـ ص 11 .

( [xv] ) المصدر السابق نفسه .

( [xvi] ) المصدر السابق ـ ص 12 .

( [xvii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 151.

( [xviii] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 151 وما بعدها .

( [xix]) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص ص 155 ـ 158 .

( [xx] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية :  http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/Devils.html

( [xxi] ) راجع ؛ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي ـ مكتبة الإسكندرية : http://www.cultnat.org/Folk/Ramdan_Haj/RESTof%20mahmel.html

( [xxii] ) راجع ؛ إدوارد وليم لين ـ المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 105 ـ 106 .

( [xxiii] ) وحيد تاجا ـ محمل الشام.. صورة من أيام الحج البعيدة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 20/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article08.shtml

( [xxiv] ) راجع ؛ أحمد إبراهيم أبو شوك ـ التواصل الحضاري بين الحجاز وأرخبيل الملايو ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 166 .

( [xxv] ) راجع ؛ وحيد تاجا ـ محمل الشام.. صورة من أيام الحج البعيدة ـ موقع إسلام أون لاين ـ 20/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article08.shtml .

( [xxvi] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

( [xxvii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

( [xxviii] ) راجع ؛ أحمد إبراهيم أبو شوك ـ التواصل الحضاري بين الحجاز وأرخبيل الملايو ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 166 .

( [xxix] ) نوزات صواش ـ المحمل الشريف.. أشواق إلى قرية الحبيب ـ موقع إسلام أون لاين ـ 17/2/2002م ـ http://www.islamonline.net/arabic/arts/2002/02/article05.shtml

( [xxx] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

الفصل الثاني: السدانة

السدانة من الفعل سَدَنَ ؛ علي وزن فَعَلَ الماضي الثلاثي ؛ وحكي الجوهري في “الصحاح” : “ سَدَنَ يَسدُنُ بالضم سَدْناً وسَدانَةً ([i]) ، وقال “ وسَدَنَ الرجل ثوبَه وسَدَنَ السِتر ، إذا أرسَله ([ii]) ، فـ “ السَّدَنُ : السِّتْر ، والسِّدانةُ : الحجابة ([iii]) . والفاعل منه سادن ؛ حكي الفراهيدي في “العين” سدين ؛ و” السَّادِنُ : خادم الكعبة وبيتِ الأَصنام ، والجمع السَّدَنَةُ ([iv]) ، وقال الأزهري في “تهذيب اللغة” : “ والسَّدِين: السَّتر ([v]) ، “ والسَّدْنُ والسِّدانة : الحِجابة ، سَدَنه يَسْدُنه . والسَّدَنة : حُجَّاب البيت وقَوَمةُ الأَصنام في الجاهلية ، وهو الأَصل ([vi]) ، و “ قال ابن بري : الفرق بين السَّادِنِ والحاجب أَن الحاجب يَحْجُبُ وإِذْنُه لغيره ، والسَّادِنُ يحجب وإذنه لنفسه ([vii]) ، و “ قال أَبو عبيد : سِدَانَة الكعبة خِدْمَتُها وتَوَلِّي أَمرها وفتح بابها وإِغلاقُه ، يقال منه : سَدَنْتُ أَسْدُنُ سَدَانة ([viii]) .

وبإضافة البيت العتيق إلي السدانة يتخصص المعني علي البيت دون غيره ، “ قال أَبو عبيد : سِدَانَة الكعبة خِدْمَتُها وتَوَلِّي أَمرها وفتح بابها وإِغلاقُه ، يقال منه : سَدَنْتُ أَسْدُنُ سَدَانة ([ix]) ، وذكر نشوان الحميري في “الحور العين” أن السدن هو الخدمة ، ومثله السدانة ؛ ومنه سدانة الكعبة . وقد تعلقت السدانة بمثل من أشهر أمثال العرب ؛ وهو “ أحمق من أبي غبشان ” ، وشرحه الزمخشري في “المستقصي في أمثال العرب” ، فقال :  أبي غبشان هو رجل من خزاعة اسمه المحترش بن حليل بن حبشية بن سلول بن كعب ، كانت إليه سدانة الكعبة ، فخدعه عن مفاتيحها قصي بن كلاب بأن أسكره وابتاعها منه بزق خمر . وقد قيل في هذا الكثير من الأشعار في الجاهلية وصدر الإسلام ؛ منها ؛ قول ابن المقرب العيوني :

وارضوا رضاه فإن ساخط أمره منكم لأخسر من أبي عبشان

وروي الزمخشري شعراً لم يذكر صاحبه :

باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت         بزق خمر فتبت صفقة البادي

باعت سدانتها بالخمر فانقرضت         عن المقام وظل البيت والنادي

أبو غيشان ؛ كما يذكر ابن حجة الحموي في “ثمرات الأوراق في المحاضرات” ؛ وهو رجل من خزاعة كان يلي سدانة البيت ، فاجتمع مع قصي بن كلاب بالطائف على الشراب ، فلما سكر اشترى منه قصي ولاية سدانة البيت بزق من خمر ، وأخذ منه مفاتيحه ، وسار بها إلى مكة ، وقال يا قريش هذه مفاتيح أبيكم إبراهيم رجها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم ، وأفاق أبو غيشان فندم غاية الندم ، فقيل أحمق من أبي غيشان . وقد ذكر اليوسي مثل ذلك في “زهر الأكم في الأمثال والحكم” .

سدانة الكعبة قبل الإسلام

روي أنه بعد وفاة إسماعيل عليه السلام بقرنين من الزمان كان يسكن مكة قسمين من البشر ؛ هم : جرهم وقطورا ، لكن تحت إمرة رجل جرهمي من أحفاد إسماعيل عليه السلام ، وفي أواخر القرن الثالث الميلادي أو أوائل القرن الرابع نازعتهم السيادة علي مكة قبيلة قحطانية جاءت إثر سيل العرم الذي ضرب اليمن ، وهي قبيلة خزاعة التي سكنت مكة وطردت جرهم منها([x]) . ويمكن أن يكون هذا سرداً مختصراً لتاريخ ولاية البيت العتيق ، بين إسماعيل عليه السلام وقصي بن كلاب الذي وليه في زمان قريش .

لقد ذكر أبو البقاء الحلي في “المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية” أن الله سبحانه وتعالي جعل سدانة البيت لإسماعيل عليه السلام ، فهو أول من سدن البيت العتيق وكساه . فهو أول من رفع البيت وكساه البياض ، وأول من سقى السويق وسن السقايا ، وأول من سدن البيت ، وهو أول من رفد الحجاج ، وكانت الضيافة عليه مفترضة . وإن نابت بن إسماعيل ولي سدانة البيت بعد أبيه عليه السلام ، فلما مات نابت وكان ولده أطفالاً تولى السدانة أخواله من جرهم ، وكان أول من ولي السدانة منهم مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي ، ثم بنوه من بعده ، فصارت جرهم ولاة البيت ، وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو في قصيدته :

وكنا ولاة البيت من بعد نابت         نطيف بذاك البيت والخير ظاهر

فوليت جرهم البيت ، ثم بغوا وظلموا واستحلوا حرمته وأكلوا ماله ولم يتناهوا . وقيل أن أسافاً أراد نائلة بنت عمرو بن ذئب في جوف الكعبة فمسخا حجرين ، فوضع أساف على الصفا  ونائلة على المروة ليعتبر الناس بهما .

ويتابع أبو البقاء الحلي بأن بغي جرهم تزامن مع خروج قبائل سبأ من أرض مأرب عند خراب السد ، وكان وملكهم عمرو بن عامر بن ثعلبة بن أمرؤ القيس بن مازن بن الازد ، فنزلوا إلي جرهم وحاربوهم فكانت الغلبة لقبائل سبأ ، فلما أحس ابن مضاض الهزيمة عمد إلى أموال الكعبة ؛ وهي غزلان من ذهب فيما روي ؛ وأسياف فحفر لها ليلاً في زمزم ودفنها ، وخرج بمن بقي من جرهم . فكانت خراغة هي التي أقامت بمكة واستوطنتها من القبائل السبأية ، ووليت الحرم ، وقد قال شاعرهم :

ونحن ولينا البيت من بعد جرهم         لنعمره من كل باغ وحاسد

و قال راجزهم أيضاً :

وادٍ حرام طيره ووحشه         نحن وليناه فلا نعشه

وابن مضاض قائم يمشه      يأكل ما يهدي له نقشه

فتولت خزاعة أمر البيت ، واجتمعوا على عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو ؛ وعمرو هذا هو عمرو بن لحي لأن أباه ربيعة بن حارثة كان يعرف بلحي ؛ فعبد عمرو بن لحي أسافاً ونائلة ، وأمر بعبادتهما ، وأتى بالصنم المعروف بهبل من الشام من عند العماليق ، فجعله على الكعبة وأمر بعبادته ، ونصب الأصنام حول الكعبة وجعل السائبة والبحيرة والوصيلة  ، وأحل نكاح البغايا فنصبن الرايات . “ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار لأنه أول من سيب السوائب . وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة وهو أول من فعل هذه الأشياء وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام ([xi]) .

وكما في “المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية” ؛ فإن خزاعة ظلت مستولية على البيت العتيق إلى إن جاء قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب من أرض قضاعة ، وكانت ولاية البيت يومئذ وحجابته مع خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي والمفتاح بيده ، فخطب إليه ابنته حبى بنت خليل ، ولم يكن له ولد غيرها ، فزوجه ، فولدت له الأربعة أبناء هم : عبد مناف ، وعبد الدار ، وعبد العزي ، وعبد بن قصي . فلما حضرت خليل بن حبشة بن سلول الوفاة أوصى لقصي بالحجابة والولاية والمفتاح ، وقال له : إن ولدك ولدي ، ولست أخص بذلك غيرهم ، فأقسم بينهم مآثر مكة .

وتذكر بعض الروايات التاريخية أن حليل بن حبشية دفع بأمر مكة إلي قصي ، لأنه أحب أن يجعل وليتها قي أبناء بنته حبى ، في حين أن هناك رواية تذكر أن قصياً اشتري ولاية البيت من وكيل حبى أبي غبشان بذق خمر وعود([xii]) .

ويروي أبو البقاء الحلي في “المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية” رواية أخرى لإنتقال السدانة إلي قصي ؛ ربما هي الأشهر ؛ وهي أن خليل بن حبشية بن سلول لما حضرته المنية جعل المفتاح مع ابنته حبى ، وقال لها : سأجعل لك من ينوب عنك في فتح البيت ، ثم أوصى بذلك إلى أبي غبشان الخزاعي ، وكان ينوب عنها ، ثم حدث أن خرج قصي وأبو غبشان إلى الطائف ، فشرب أبو غبشان فسكر ، فقال له قصي : أتبيعني وكالتك في المفتاح ؟ قال : نعم . فاشتراه منه بجمل ؛ وقيل بزق خمر ؛ فجاء به إلى حبى ، فأخبرها فسرت بذلك ، فصارت المفتاح لها والوكالة فيه لبعلها ، فصارت الحجابة إليه . وقدم أبو غبشان فلامه قومهم فجحد البيع ، وقال أنما رهنته ، وأنكرت خزاعة إن يكون صاحبهم باع ، فسار قصي في ولد إسماعيل ، فقال : هذا مفتاح أبيكم قد رده الله إليكم بغير ظلم ولا غدر ، فانصروني ، فنصروه ، وأستنجد أخاه لأمه رزاح بن ربيعة بن حرام القضاعي([xiii]) .

ويجمل شيخ سدنة الكعبة محمد صالح بن أحمد بن زين العابدين الشيبي العبدري الحجبي هذا التاريخ وهذه الروايات بقوله :

أعلم أن سدانة الكعبة المطهرة كانت في أولاد إسماعيل عليه الصلاة والسلام مدة طويلة إلي أن أغتصبها منهم جرهم ، ثم أغتصبتها خزاعة من جرهم . ثم أسترجعها قصي بن كلاب بن مرة ، وبقت من بعده في ولده عبد الدار ([xiv]) .

ويتابع با سلامة ما أجمله شيخ السدنة ، بأن :

صارت من بعده في ولده الكبر عبد الدار ، ثم صارت في بني عبد الدار جاهليةً وإسلاماً ، إلي أن آل أمر السدانة إلي شيبة بن عثمان بن طلحة ، واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي ، ثم صار أمر السدانة في أولاد شيبة ن عثمان إلي العصر الحاضر ([xv]) .


سدانة الكعبة في الإسلام

وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد قال بن إسحاق فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قام على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج وذكر بقية الحديث في خطبة النبي (صلي الله عليه وسلم) يومئذ إلى أن قال ثم جلس رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أين عثمان بن طلحة فدعي له فقال له هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء وبر قال بن جرير حدثني القاسم حدثنا الحسين عن حجاج عن بن جريج في الآية قال نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } الآية فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح قال وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله (صلي الله عليه وسلم) من الكعبة وهو يتلو هذه الآية { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك ([xvi]) .

وخبر إعطاء الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ المفتاح لعثمان بن طلحة ورد مفصلاً ومجملاً في كثير من كتب التفسير والحديث والسير والتاريخ وغيرها .

وكان عثمان بن طلحة  قد أسلم عام الفتح علي أصح الروايات([xvii]) ، قال الواقدي : فلم يزل عثمان يلي البيت حتى توفي ، فخلفه ابن عمه شيبة بن عثمان ، واستمرت في ولده([xviii]) . وذلك لأن عثمان بن طلحة كان عقيماً([xix]) ، فلما توفي شيبة بن عثمان تولي رئاسة السدنة بعده أكبر أولاده سناً ، ولم يفارق مفتاح البيت آل شيبة إلا في حادث وقع سنة 996 هـ .

ففي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 996 هـ ؛ فتح شيخ السدنة ؛ الشيخ عبد الواحد الشيبي باب الكعبة لزيارة النساء ، علي ما جرت به العادة في هذا العصر ، فسرق منه المفتاح الذهبي ؛ وهو المفتاح الذي صنعه السلطان مراد الثالث في شهر محرم من سنة 996 هـ ، وأرسله وقفله فركب في باب الكعبة ، وكان مصنوعاً من الفضة المطلية بالذهب . ويبدو أن السارق قد فر بغنيمته ، ورغم إغلاق المسجد الحرام وتفتيش كل من كان به ، لم يعثر علي السارق ، غير أنه عثر عليه بعد فترة في اليمن وبحيازته مسروقات أخرى أعترف بها ، فقطع والي اليمن رأسه ، ورد المفتاح إلي شيخ السدنة الشيخ عبد الواحد الشيبي([xx]) .


نسب السدنة

كان لقصي بن كلاب من زوجته حبي بنت خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي أربعة أولاد ذكور هم : عبد مناف ، وعبد الدار ، وعبد العزي ، وعبد بن قصي (ويقال له: عبد قصي) ؛ “ فلما كبر قصي ورق عظمه ، وكان عبد الدار بكره ، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه ، ونصب كل مذهب ومنص ، وعبد العزى وعبد قصي . قال قصي لعبد الدار : أما والله يا بني لألحقنك بالقوم ، وإن كانوا قد شرفوا عليك ، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها لهم ، ولا يعقد لقريشي لحربها إلا أنت بيدك ، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك ، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا من طعامك ، ولا يقطع قريشي أمراً من أمورها إلا في دارك . فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمراً إلا فيها ، واعطاه أيضاً : الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ([xxi]) .

فكانت السدانة / الحجابة لعبد الدار بن قصي ، ويذكر مصعب الزبيري في “نسب قريش” أن عبد الدار ولد له عثمان وعبد مناف ، من : هند بنت بوى بن ملكان بن خزاعة ؛ ثم ولد له السباق بن عبد الدار ، من : الناقصة بنت ذؤيبة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن .

ثم ولد عثمان بن عبد الدار ولدين ؛ هما :

 عبد العزى بن عثمان ، وأمه : هضيبة بنت عمرو بن عتوارة بن عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر .

وشريح بن عثمان ، وأمه: بنت خلف بن صداد بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب .

ثم ولد عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار :

عبد الله بن عبد العزى وهو أبو طلحة ، وأمه: السلافة الكبرى بنت شهيد بن عمرو بن

عوف .

وأبا أرطاة بن عبد العزى ، واسمه شرحبيل ، وأمه من الأنصار .

وبرة بنت عبد العزى ، وهي جدة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم أمه ؛ وأمها : أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي .

ثم ولد عبد الله بن عبد العزى :

طلحة الذي قتل يوم أحد كافراً ، وكان معه لواء المشركين ، وقد قتله علي بن أبي طالب بعد أن بارزه .

وعثمان بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ؛ وهو الذي أخذ اللواء يوم أحد بعد أخيه ، وقتله حمزة بن عبد المطلب .

وأبا طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ؛ واسمه أسيد ؛ وقد قتله سعد بن أبي وقاص يوم أحد ومعه اللواء ، وأمه : أرنب بنت هند بن نمر بن عمرو بن النعمان بن وهب بن الحارث الولادة بن عمرو بن معاوية بن كندة .

ثم ولد طلحة بن عبد الله بن عبد العزى ؛ والذي قتل يوم أحد :

 عثمان بن طلحة بن عبد الله(أبي طلحة) بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، الذي قتل يوم أجنادين ، وكان هاجر في التاسع بعد الحديبية في الهدنة ، وهو الذي أخذ المفتاح من النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ يوم فتح مكة . لذلك ؛ فإن بني عبد الله (أبي طلحة) هم الذين يلون سدانة الكعبة دون بني عبد الدار .

فلما توفي عثمان بن طلحة ، آلت السدانة إلي ابن عمه شيبة بن عثمان ، فبقيت في ولده . ونسبه ؛ كما ذكره صلاح الدين الصفدي في “الوافي بالوفيات” : شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ابن قصي بن كلاب . ويكنى بأبي عثمان ؛ وقيل أبو صفية ؛ ولقب بالحجبي لأنه حاجب الكعبة ، وهو جد الشيبيين وإليه ينسب بنو شيبة كلهم . وقد ترجم له كثير من المؤرخين والحفاظ ، وكذلك اصحاب السير والمغازي والتراجم .

وجميع آل الشيبي الموجودون في هذا العصر هم من أبناء الشيخ محمد بن زين العابدين رحمه الله تعالى، وينقسمون إلى أبناء الشيخ عبد القادر بن على وهم عائلة عبد الله ، وحسن آل الشيبي ، وأبناء عبد الرحمن بن عبد الله الشيبي .

ونسب الشيخ عبد القادر الشيبي كما يورده با سلامة :

عبد القادر بن علي بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد بن محمد جمال الدين ابن القاسم بن أبي السعود بن أبي بكر فخر الدين بن محمد جمال ابن عمر بن سراج الدين بن محمد بن علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي ([xxii]) .

ومن الذين تولوا رئاسة السدانة من آل شيبة :

v عبد العزيز بن عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي ؛ وهو رئيس السدنة وقت تحرير هذا الأسطر .

v   محمد بن محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   عبد القادر بن علي بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي ؛ صاحب كتاب “إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” .

v   عبد الرجمن بن عبد الله محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   عمر بن جعفر بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   عبد الله بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   أحمد بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   جعفر بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   سليمان بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   عبد القادر بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v   محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد الشيبي .

v زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد بن محمد جمال الدين ابن القاسم بن أبي السعود بن أبي بكر فخر الدين بن محمد جمال ابن عمر بن سراج الدين بن محمد بن علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي الشيبي .

v   غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير بن شيبة .

v علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير بن شيبة .

v أحمد الطيبي بن سراج الدين بن محمد بن علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير بن شيبة .

v   محمد بن أبي راجح بن محمد أدريس العبدري الشيبي الحجبي المكي .

v   فخر الدين أبي بكر محمد بن أبي بكر الشيبي .

v   محمد بن يوسف بن إدريس بن مفرج بن غانم الشيبي .

v   يحيي بن علي بن يحيي الشيبي .

وكان الشيخ محمد بن زين العابدين (جد الشيبيين المعاصرين) قد تولي رئاسة السدانة وهو صغير السن إذ لم يوجد في آل شيبة ولد ذكر غيره([xxiii]) ، وتوفي عن ستة ذكور هم : عبد القادر ، وسليمان ، وجعفر ، وأحمد ، وعبد الله ، وعلي . وقد تولاها بعده ابنه عبد القادر ، ثم سليمان ؛ ثم جعفر ، ثم ابنه أحمد ، ثم ابنه عبد الله ، ولم يتولاها علي بن محمد بن زين العابدين لأنه توفي في حياة أخيه عبد الله .

ثم تولي رئاسة السدانة الشيخ عمر بن جعفر بن محمد بن زين العابدين إلي أن توفي سنة 1304 هـ ، ثم تولاها ابن عمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن زين العابدين الشيبي إلي أن عزل منها بقرار سياسي من السلطان عبد الحميد خان سنة 1311 هـ (وهو الوحيد من شيوخ السدنة الذي تم عزله) ، ثم تولاها الشيخ محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين الشيبي صاحب كتاب “إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” إلي أن توفي سنة 1335 هـ ([xxiv]).

ثم تولي رئاسة السدانة الشيخ عبد القادر بن علي بن محمد بن زين العابدين الشيبي إلي أن توفى في سنة 1351 هـ ، فآلت إلي الشيخ محمد بن محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين الشيبي إلي أن توفي سنة 1384 هـ ، ثم تولى رئاسة السدانة الشيخ عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن زين العابدين الشيبي إلي أن توفي سنة 1391 هـ ، ثم تولاها الشيخ محمد الأمين بن عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن زين العابدين الشيبي إلي أن توفي سنة 1399 هـ .

وأخيراً ؛ آلت رئاسة السدانة إلي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن زين العابدين الشيبي ، وهو شيخ السدنة حالياً .

وجميع بنو شيبة الذكور يقومون بالسدانة غير أن المفتاح لا يكون إلا في يد كبيرهم شيخ السدنة (رئيس السدنة) ، والذي يتولي الرئاسة منهم هو أكبر أولاد بني شيبة سناً ، ويعلل با سلامة ذلك بأن : “ لأنه دفع [النبي صعلي الله عليه وسلم] المفتاح يوم الفتح إلي عثمان ، لأنه أكبرهم سناً مع وجود شيبة بن عثمان بن ابي طلحة ([xxv]) .

ولا تنحصر مهمة السدانة في حفظ مفتاح البيت العتيق فقط ، ولا في فتح بابها وغلقه فقط ، ولكن السدانة فيما تعنيه من الخدمة في معانيها تلزم القائمين عليها برعاية بيت الله الحرام وخدمته ، لذلك فالسدنة هم القائمين بغسل الكعبة من الداخل وتطيبها ، كما أن رئيسهم علي مر العصور هو الذي يتسلم الكسوة المشرفة من أولي الأمر ، ويقوم باستبدالها .

فمن المعلوم أن الكعبة تستبدل ثوبها مرة واحدة كل عام ، فيما يتم غسلها مرتين سنوياً : الأولى في شهر شعبان ، والثانية في شهر ذي الحجة . ويستخدم في غسلها ماء زمزم ، ودهن العود ، وماء الورد ، ويتم غسل الأرضية والجدران الأربعة من الداخل بارتفاع متر ونصف المتر ، ثم تجفف وتعطر بدهن العود الثمين([xxvi]) .

ويصف ابن جبير الأندلسي قيام السدنة بتغيير كسوة الكعبة المشرفة ؛ فيقول :

وفي يوم السبت ، يوم النحر ، سيقت كسوة الكعبة المشرفة من محلة الأمير العراقي إلي مكة علي أربعة جمال ، تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية ، والرايات علي رأسه ، وابن عم الشيبي محمد إسماعيل معها ، فوضعت الكسوة علي سطح الكعبة . فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر الحج المذكور [ذي الحجة] ، اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة ، وفي أعلاها رسم أحمر واسع ، مكتوب في الصفح الموجه إلي المقام الكريم حيث الباب بعد البسملة { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ }* وفي سائر الصفحات اسم الخليفة ، والدعاء له ([xxvii]) .

كما يصف ابن بطوطة ذات المهمة ؛ فيقول :

وفي يوم النحر ، بُعثت كسوة الكعبة الشريفة من الركب المصري إلي البيت الكريم ، فوضعت في سطحه ، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر ، أخذ الشيبيون في إسبالها علي الكعبة الشريفة ، وهي كسوة سوداء حالكة مبطنة بالكتان ، وفي اعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض : { جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا }** ، وفي سائر جهاتها ، طراز مكتوب بالبياض آيات من القرآن . ولما كُسيت شُمرت أذيالها صوناً من أيدي الناس ([xxviii]) .

ومن شيوخ السدنة الذين أهتموا بعناية البيت ؛ كان الشيخ غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيي بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير بن شيبة ، الذي يبدو أنه قد تولي رئاسة السدانة في نهاية القرن السادس الهجري أو بداية القرن السابع الهجري ، وتمدنا مجموعة المفاتيح المحفوظة بمتحف طوب قاي باستانبول ، بمفتاح أمر بصنعه رئيس السدنة الشيخ غانم بن محمد بن مفرج الشيبي .

والمفتاح الذي أمر الشيخ غانم بصنعه ، كان من النحاس الأصفر النكفت بالفضة ، وعليه زخارف نباتية وفروع ملتوية ، ويختلف هذا المفتاح عن باقي مفاتيح الكعبة المحفوظة في متحف طوب قاي ، إذ أن جسم المفتاح مشقوق ، ويمكن نسبة صناعته إلي مدرسة الموصل  بسبب أسلوب زخرفته ، وقد كتب علي المفتاح من جملة ما كتب عليه : “ هذا ما أمر بعمله الشيخ الكبير المحترم غانم الشيبي (فاتح) بيت الله الحرام ([xxix]).


* سورة آل عمران ـ الآية 96 .

** سورة المائدة ـ الآية 97 .


( [i] ) الجوهري ـ الصحاح ـ مادة : س د ن .

( [ii] ) المصدر السابق نفسه .

( [iii] ) الخليل ابن أحمد الفراهيدي ـ العين ـ مادة : س د ن .

( [iv] ) ابن منظور ـ لسان العرب ـ مادة : س د ن .

       وكذلك قال الجوهري في الصحاح .

       الجوهري ـ الصحاح ـ مادة : س د ن .

( [v] ) الأزهري ـ تهذيب اللغة ـ مادة : س د ن .

( [vi] ) ابن منظور ـ لسان العرب ـ مادة : س د ن .

( [vii] ) المصدر السابق نفسه .

( [viii] ) المصدر السابق نفسه .

( [ix] ) المصدر السابق نفسه .

( [x] ) محمد محمود السرياني ـ البوتقة المكية وأثرها في صهر السكان ـ مجلة الدارة ـ العدد الرابع ـ السنة الحادية والثلاثون ـ الرياض ـ 1426 هـ ـ ص 179 .

( [xi] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الرابع ـ مصدر سابق ـ ص 112 .

( [xii] ) راجع ؛ عدنان بن محمد الحارثي ـ دار الندوة في الجاهلية والإسلام ـ مجلة الدارة ـ العدد الثالث ـ السنة الحادية والثلاثون ـ الرياض ـ 1426هـ ـ ص 14 .

( [xiii] )  وقد ذكر الفاسي نحو ذلك من هذه الروايات والأخبار .

          راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 66 – 71 .

( [xiv] ) العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 237 .

( [xv] ) حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 363 .

( [xvi] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 516 و 517 .

( [xvii] ) راجع ؛ حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 390 .

( [xviii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

( [xix] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 392 .

( [xx] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ دار المريخ ـ مصدر سابق ـ ص 299 .

         وراجع ؛ ترجان بليماز ـ الكعبة المشرفة ـ مصدر سابق ـ ص 74 .

( [xxi] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 75 .

( [xxii] ) حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 401 .

( [xxiii]) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 404 .

( [xxiv] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 406 وما بعدها .

( [xxv] ) المصدر السابق ـ ص 392 .

( [xxvi] ) راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ رحلة العمر ـ http://www.islamonline.net/Arabic/Hajj2002/maka/article03.shtml

( [xxvii] ) نقلاً عن ؛ حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 312 .

( [xxviii] ) ابن بطوطة ـ رحلة ابن بطوطة .

         نقلاً عن ؛ حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 315 .

( [xxix] ) راجع ؛ ترجان بليماز ـ الكعبة المشرفة ـ مصدر سابق ـ ص 35 .

الباب الرابع: الآثار وأماكن المقدسة

نتناول في هذه الصفحات مجموعة من الآثار التي ارتبطت بالبيت العتيق ؛ سواء ما كان منها جزءً من البيت كحجر إسماعيل والحجر الأسود ، أو التي ارتبطت ببناء البيت ومناسكه كالمقام الإبراهيمي والمسعى ، أو تلك التي تعد أثراً ذا مكرمة كبئر زمزم والمنبر ومقامات الأئمة .

مقام إبراهيم عليه السلام

ويقع في الجهة الشمالية الشرقية من الكعبة جهة الجدار الذي به الباب في مواجهة الباب تقريباً ، والمسافة ما بين شاذروان الكعبة المشرفة وبين أول شباك مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام المقابل للكعبة المشرفة أحد عشر متراً([i]) .

ويذكر المستشرق الهولندي هورخرونيه أن المقام كان مقدساً منذ الجاهلية([ii]) ، وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بني الكعبة علي الأصح .

وقد جاء في تفسير حقيقة هذا الحجر ثلاثة أمور ؛ هي :

الأول : أنه الحجر الذي اتخذه سيدنا إبراهيم عليه السلام ليقف عليه حين تطاول بناء الكعبة ، وهو يرفع القواعد ؛ فقد روي ابن كثير عن سيفان الثوري بسنده أن “ الحجر مقام إبراهيم نبي الله قد جعله الله رحمة فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة ([iii]) ، وفي “الجلالين” : ” مقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت “([iv]) ، وقال الشوكاني : “ وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه ([v]) .

 

الثاني : أنه الحجر الذي وقف عليه سيدنا إبراهيم يدعو الناس إلي الحج ، فغاصت أقدامه به ، وقد ظلت باقية عليه إلي اليوم ، ويذكر الأزرقي بسنده أن : “ قام إبراهيم عليه السلام علي هذا المقام فقال : أيها الناس أجيبوا ربكم ، قال : فقالوا : لبيك اللهم لبيك قال : فمن حج إلي اليوم فهو ممن استجاب لإبراهيم عليه السلام ([vi]) .

 

الثالث : أنه الحجر الذي غسلت زوجة إسماعيل عليه السلام رأس إبراهيم عليه السلام وهو واقف عليه حين ذهب لرؤيته ؛ قال ابن كثير : “ وقال السدي المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه حكاه القرطبي وضعفه ورجحه غيره وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس ([vii]) .

وقد كان الحجر موضوعاً في المعجن قبل فتح مكة ، ثم نقله عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلي موضعه الأصلي([viii]) . ولدينا الكثير من الروايات حول موضع مقام إبراهيم عليه السلام ، منها ما ذكره ابن كثير في تفسيره ؛ إذ قال :

وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ولهذا والله أعلم أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا بإتباعهم وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله  اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين قال عبد الرزاق عن بن جريج حدثني عطاء وغيره من أصحابنا قال أول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال عبد الرزاق أيضا عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ([ix]) .

ورواية الأزرقي تحكي أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أعاد الحجر إلي موضعه بعد أن حركه سيل أم نهشل بعيداً ، إذ يروي الأزرقي بسنده :

كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر بن الخطاب الردم الأعلى ، … ، فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه وربما نحته عن وجه الكعبة حتي جاء سيل أم نهشل ، … فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة فأتي به فربطه إلي أستار الكعبة في وجهها وكتب في ذلك إلي عمر رضي الله عنه فأقبل عمر فزعاً فدخل بعمرة في شهر رمضان وقد غبي موضعه وعفاه السيل ، فدعا عمر الناس فقال : أنشد الله عبداً عنده علم هذا البمقام ، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي : أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك فقد كنت أخشي عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلي الركن ومن موضعه إلي باب الحجر ومن موضعه إلي زمزم بمقاط ، وهو عندي في البيت فقال له عمر فأجلس عندي ، وأرسل إليها فأُتي بها فوجدها مستوية إلي موضعه هذا ، فسأل الناس وشاورهم فقالوا : نعم هذا موضعه ، فلما استثبت ذلك عمر رضي الله عنه وحق عنده أمر به فأعلم ببناء ربضه تحت المقاك ثم حوله فهو في مكانه هذا إلي اليوم ([x]) .

ورواية ابن كثير لا تذكر شيئاً عن سيل أم نهشل الذي اعتمدت عليه روايات الأزرقي ، وابن كثير يعلل تأخير عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ للمقام تعليلاً فقهياً ؛ فيقول :

وقد كان [المقام] ملتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ([xi]) .

ويحدد الفاسي المسافات بين شباك قبة المقام ومعالم المسجد الحرام بالتالي :([xii])

  1. من الشباك إلي الشاذوران : 20 ذراعاً وثلثا ذراع وثمن ذراع ( حوالي 11.75 متراً )([xiii]) .
  2. من ركن الكعبة الذي به الحجر الأسود إلي الركن اليماني للصندوق : 24 ذراع إلا سدس ذراع ( حوالي 13.47 متراً ) .
  3. من وسط جدار الكعبة الشرقي إلي وسط وجه الصندوق المقابل لها : 22 ذراعاً إلا ربع ذراع ( حوالي 12.29 متراً ) .
  4. من ركن الكعبة الشامي إلي ركن الصندوق الشامي : 23 ذراع ( حوالي 13 متراً ) .
  5. من ركن الصندوق الشرقي إلي ركن البيت الذي به بئر زمزم : 15 ذراع إلا ثلث ذراع ( 8.29 متراً ) .

 أما وصف الحجر نفسه ؛ فهو يبدو مربعاً ، يذكر الفاسي أن طول ضلعه جوالي ذراع ( 56.5 سنتيمتر ) ، وأن القدمين داخلان فيه سبع أصابع ( حوالي 14 سنتيمتر ) ، أما ارتفاعه عن الأرض فكان نصف ذراع وربع وثمن ( حوالي 49.7 سنتيمتر ) ، وأن موضع غوص القدمين فمطلي بالفضة([xiv]) .

أما أيوب صبري ؛ فيذكر أن المقام مربع الشكل ، وأنه يرتفع عن الأرض 21 إصبعاً ، وموضع قدما إبراهيم عليه السلام علي الحجر مطوقة بالفضة التي تنحسر عن آثار قدمي إبراهيم عليه السلام بمقدار سبعة خطوط ونصف ، وأن عمق موضع القدم الشريف لينة ، وأن حجر المقام لا يشبه الرخام الأبيض ولا الحجارة العادية البيضاء أو السوداء ، وأن عليه عروق يميل بعضها إلي السواد وبعضها إلي الصفار ، وأن لونه يميل عموماً إلي لون السكر الخام([xv]) .

بينما يصفه الديار بكري بقوله :

وأما مقام إبراهيم عليه السلام فقال الشيخ عز الدين بن جماعة جددت لما كنتُ بمكة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة مقدار ارتفاع المقام من الأرض فكان نصف ذراع وربع وموضع القدمين في المقام ملبس بفضة وعمقه من فوق الفضة سبعة قراريط ونصف قيراط من ذراع القماش ([xvi]) .

ويبدو الآن أن أثر القدمين قد تغير عن هيئتهما الأصلية ، لأن المقام كان مكشوفاً ، ومن كثرة مس الأيدي له ذهبت معالم تفصيل الأصابع ، ويروي الفاكهي عن أنس بمن مالك ـ رضي الله عنه ـ قوله : “ رأيت المقام فيه أصابعه وأخمص قدميه والعقب غير أثر أذهبه مسح الناس بأيديهم [xvii] . غير أن الظاهر من أثر القدمين في مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه كان بدون نعلين حين كان يرتقي الحجر([xviii]) .

وأول من عمل تحليةً للمقام كان الخليفة المهدي لما خيف عليه أن يتفتت ؛ وذلك في سنة 236 هـ ، ويذكر الأزرقي في روايته معللاً ذلك : هو من حجر رخو يشبه السنان كانوا قد خشوا أن يتفتت فكتبوا إلي المهدي فأمر بألف دينار فضبب بها المقام من أسفله إلي أعلاه([xix]) . ثم جدد حليته الخليفة المتوكل ؛ “ ولم يزل ذلك الذهب عليه حتى ولي أمير المؤمنين جعفر المتوكل علي الله فجعل عليه ذهباً فوق ذلك الذهب أحسن من ذلك العمل فعمل في مصدر الحج سنة ست وثلاثين ومائتين ([xx]) ؛ ومقدار ما زاده المتوكل من الذهب كان 8000 مثقال ، ومن الفضة 70.000 درهم([xxi]) . “ ثم أن جعفر بن فضل العباسي عامل مكة ، ومحمد بن حاتم قلعا حليته في خلافة المتوكل وضرباها دنانير ليستعينا بذلك علي ما قيل في حرب إسماعيل بن يوسف العلوي الذي خرج من مكة وأفسد بها وبالحجاز في سنة إحدى وخمسين ومائتين ([xxii]) .

وفي سنة 256 هـ دكر الحجبة من آل شيبة لعامل مكة أن المقام قد تفككت أحجاه إلي سبعة قطع ويخشي عليه ، فعمل له طوقان من ذهب مقدارهما 1992 مثقالاً ، وأحضر المقام إلي دار الإمارة وأذيبت له عقاقير بالزئبق وشدّ بها حتي التصق جيداً ، وباشر عملية لصق أحجار المقام بِشر خادم المعتمد العباسي ، وأعيد المقام إلي موضعه في الثامن من ربيع سنة 256 هـ([xxiii]) .

والحجر منذ زمان محفوظ داخل صندوق ؛ ففي فتنة القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود أرادوا سرقة المقام أيضا ، إلا أن بعض السدنة غيبه عنهم ، فبدأ التفكير بعد ذلك في حمايته ، فجعلت له قبتان متحركة إحداها خشبية والأخرى حديدية ، ثم بعد ذلك عمل للمقام تابوتاً يوضع فيه ، وتطور الوضع إلى بناء مقصورة له تنتهي مؤخرتها بمظلة متصلة بالمقصورة ليصلي الناس تحتها ركعتي الطواف ، ويقال : إن أول عمل المقصورة كان عام 810هـ([xxiv]) . ويصف الفاسي ما كانت عليه القبة ، فيقول : “ قبة عالية من خشب ثابتة قائمة علي أربعة أعمدة دقاق حجارة منحوتة بينهما أربعة شبابيك من حديد من الجهات الأربعة ، ومن الجهة الشرقية يدخل إلي المقام والقبة مما يلي المقام منقوشة مزخرفة بالذهب ومما يلي السماء مبيضة بالنورة ، … واسم الملك الناصر مجمد بن قلاون الصالحي صاحب مصر مكتوب في الشباك الشرقي في هذا الموضع بسبب عمارته له في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، والمقام بين الشبابيك الأربعة الحديد في قبة من حديد ثابت في الأرض ، والقبة التي عليها ثابتة أيضاً في الأرض برصاص مصبوب بحيث لا يستطاع قلع القبة الحديد التي فوقه عند قدوم الحاج إلي مكة صوناً لها لكونها أحمل للازدحام والاستلام ([xxv])  .

ويقول الديار بكري عن حماية الحجر وحفظه :

والمقام اليوم في صندوق عن حديد حوله شباك من حديد وعرض الشباك عن يمين المصلي ويساره خمسة أذرع وثمن ذراع وطوله جهة الكعبة خمسة أذرع إلا قيراطين وخلف الشباك المصلي جمسة أذرع وسدس ذراع وهو محور بعمودين من حجارة وحجرين من جانبي المصلي فطول المصلي خمسة أذرع وسدس ذراع ومن صندوق الشباك الذي داخل المقام إلي شاذوران الكعبة عشرون ذراعاً وثلث ذراع وثمن ذراع ([xxvi]) .

وقد جددت قبة المقام عدة مرات ؛ منها ما كان سنة 900 هـ ، وسنة 1049 هـ ، وسنة 1072 هـ حيث نقشت بالذهب([xxvii]) .

أما المقدسي فيصف الوضع الذي شاهد عليه قبة المقام ، بأنه : “ ويُكبُّ عليه صندوق حديد عظيم راسخ في الأرض ، طوله أكثر من قامة ، وله كسوة ، ويرفع المقام في كل موسم إلي البيت ، فإذا رد جعل عليه صندوق خشبي ، له باب يفتح أوقات الصلاة ، فإذا سلم الإمام استلمه ثم أغلق الباب ، وفيه أثر قدم إبراهيم عليه السلام ([xxviii]) .

ويصف أيوب صبري الصندوق الحديدي الذي كان به الحجر ، بأن ارتفاعه في قامة الإنسان ، وأنه محاط بشبكة حديدية تلف جوانبه الأربعة ، ووجه الصندوق ملبس بألواح من الفضة وعليه ستارة موشاة  ، وأن فوق الصندوق الحديدي توجد قبة خشبية مزينة من الداخل والخارج بزخارف ونقوش([xxix]) .

ويصف عبد الكريم القطبي صندوق المقام وما عليه من حلية ، فيقول :

والمقام قد عمل عليه صندوق من خشب وعمل علي الصندوق قفص من حديد محيط به من الأربع جهات وفوقه قبة ومن شرقيه باب من حديد بدرفتين يفتح ويدخل منه إلي المحا ثم إلي الصندوق وعليه ثوب مخيط بجر الفضة المموهة بالذهب علي أسلوب البرقع [يقصد ستارة الكعبة] ، والطراز وهو يصل كل عام مع الكسوة فإذا أراد الإنسان الزيارة يرفع جانباً من الثوب ويفتح الصندوق ويصب في حجر المقام ويشرب للتبرك* به ([xxx]) .

وقد انتهى أمر رابطة العالم الإسلامي في جلسة الرابطة المنعقدة بتاريخ 25 من ذي الحجة 1384هـ ؛ إلي قرارٍ بإزالة جميع الزوائد الموجـودة حول المقام ، وإبقـاء المقام في مكانه على أن يُجعل عليه صندوق من البلوري السميك القوي على قدر الحاجة وبارتفاع مناسب يمنع تعثر الطائفين ويتسنى معه رؤية المقام ، ووافق الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية ، وأصدر أمره بتنفيذ ذلك ، فعمل له غطاء من البلور الممتاز ، وأحيط هذا الغطاء بحاجز حديدي ، وعملت له قاعدة من الرخام نصبت حول المقام لا تزيد مساحتها عن 180 في 130 سنتمتراً ، وبارتفاع 75 سنتمتراً ، وتم ذلك في رجب 1387هـ([xxxi]) .

وفي الترميم الشامل للمسجد الحرام ؛ والذي تم في عهد الملك فهد ، فقد أجريت عملية ترميم للمقام حيث تم تغيير شكل الهيكل والقبة والهلال والكسوة الخرسانية للقاعدة على النحو التالي :([xxxii])

  1. تم تغيير الهيكل المعدني المركب على مقام إبراهيم عليه والسلام بهيكل نحاسي جديد ذي جودة عالية ، وركب عليها زجاج بلوري مقاس 10 مليمتر ليعطي رؤية واضحة ، وهو من النوع المقاوم للحرارة والكسر . ” وشكله مثل القبة نصف الكرة ، ووزنه 1.750 كجم ، وارتفاعـه 1.30 م ، وقطره من الأسفل 40 سم ، وسمكه 20 سم من كل الجهات ، وقطره من الخارج من أسفله 80 سم ، ومحيط دائرته من أسفله 2.51 م “([xxxiii]) .
  2. كما تم تغيير كسوة القاعدة الخرسانية من الجرانيت الأسود ، ورخام وادي فاطمة ؛ إلى رخام كرار أبيض صافي ومحلى بجرانيت أخضر ليماثل حجر سيدنا إسماعيل عليه والسلام ، وليصبح بشكل انسيابي بعد أن كان ذا شكل مضلع .
  3. وقد تم الانتهاء من هذا الترميم في مساء الأربعاء في 21 \ 10 \ 1418هـ .

أما عن كسوة المقام ؛ فكانت مصر ترسل كسوة مقام سيدنا إبراهيم مع كسوة الكعبة المشرفة كل عام حتى الأربعينات حيث غير منذ هذا التاريخ شكل المقام جملة وتفصيلاً ، “ وهذه الكسوة مؤلفة من خمسة قطع ، أربعة منها رأسية والخامسة هي سقفها ، وارتفاعها 5.34 متراً ، وعرضها 3.18 متراً عند القاع و1.12 متراً عند القمة وعلي كل قطعة منها ما وزنه من 610 إلي 614 مثقالاً من المخيش بنوعيه ، أما السقف فعليه ما وزنه من المخيش 139 مثقالاً ([xxxiv]) .

ويصف إبراهيم حلمي ستارة باب مقصورة سيدنا إبراهيم عليه السلام ؛ قائلاً :

هذه الستارة مركبة من قطعتين طول كل منها 5.70 متراً ، ومن وصلة للقطعتين ، وهي كانت تصنع من المواد التي كانت تصنع منها ستارة باب الكعبة أو البرقع ، ويزن ما كان على القطعة الأولي من المخيش 2/3 915 مثقالاً ، وما كان علي القطعة الثانية  1/3 906 مثقالاً ([xxxv]) .

ويصف إبراهيم رفعت الكتابات التي علي كسوة مقام إبراهيم عليه السلام ، ويجملها في هذا الجدول([xxxvi]) الذي ننقله عنه :

الوجه الأول

الوجه الثاني

الوجه الثالث

الوجه الرابع

بسم الله الرحمن   الرحيم . وإذ جعلنا البيت

مثابة للناس وأمناً   واتخذوا من مقام إبراهيم مصل

وعهدنا إلي إبراهيم   وإسماعيل أن طهرا بيتي

للطائفين والعاكفين   والركع السجود

بسم الله الرحمن   الرحيم . وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى

قال أولم تؤمن قال   بلا ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطيرفصرهن

إليك ثم أجعل علي   كل جبل منهن جزءً . ثم ادعهن يأتينك سعيا

وأعلم أن الله عزيز   حكيم . صدق الله ربنا وخالقنا العزيز الرحيم

بسم الله الرحمن   الرحيم . إن أول بيت وضع للناس للذي

ببكة مباركاً وهدي   للعالمين فيه أيات بينات مقام إبراهيم ومن

دخله كان أمناً   ولله علي الناس حج البيت من استطاع

إليه سبيلا ومن كفر   فإن الله غني عن العالمين

الله جل جلاله .   محمد صلي الله عليه وسلم

أبو بكر رضي الله   عنه . عمر رضي الله عنه

عثمان رضي الله عنه   . علي رضي الله عنه

حسن رضي الله عنه .   حسين رضي الله عنه

بسم الله الرحمن   الرحيم . قل كل يعمل علي شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا

بسم الله الرحمن   الرحيم . هو الذس أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله وكفي بالله   شهيدا

السلطان محمد خان   الخامس ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان بن السلطان عبد   الحميد خان

ابن السلطان أحمد   خان خلد الله خلافته وأيد بالعدل سلطنته إلي انتهاء الزمان ونهاية الدوران سنة 1327هـ


* هذا من البدع وليس له أصل شرعي .


( [i] ) راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=hrm00063.htm

       وقد قيست هذه المسافة سنة 1377 هـ .

( [ii] ) ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 82 .

( [iii] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 170 .

( [iv] ) المحلي والسيوطي ـ الجلالين ـ الجزء الأول ـ دار الحديث ـ الطبعة الأولي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ ـ ص 26 .

( [v] ) الشوكاني ـ فتح القدير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ  ص 140 .

( [vi] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 29 .

( [vii] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 170 .

( [viii] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 78 .

( [ix] ) المصدر السابق ـ ص 171 .

( [x] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 33 – 34 .

       وكذلك حكي الفاسي مثله عن الأزرقي وغيره .

       راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص ص 205 ـ 207 .

( [xi] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 385 .

( [xii] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 205 .

( [xiii] ) ذكر الفاسي أنه استخدم ذراع الحديد في تحديد هذه المسافات .

         راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 205 .

          اعتماداً علي أن ذراع الحديد = 56.5 سنتيمتر تقريباً .

         راجع ؛ أحمد السيد دراج ـ الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا ـ مصدر سابق ـ ص 97 .

         وحساب الباحث للأطوال حساب تقريبي يتتبع فيه ما جاء في مصادره .

( [xiv] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 202 .

( [xv] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 142 .

( [xvi] ) الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 40 .

         وقد ذكر الفاسي أن ذراع القماش المصري الذي استخدمه القاضي ابن جماعه في تحديد أبعاد الكعبة يساوي ذراع الحديد التي استخدمها الفاسي .

         راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 109 .

         وقد ذكر أحمد دراج أن ذراع الحديد الذي استخدمه الفاسي = 56.5 سنتيمتر .

         راجع ؛ أحمد السيد دراج ـ الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا ـ مصدر سابق ـ ص 97 .

( [xvii] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ دار حضرموت ـ الطبعة الثانية ـ 1414 هـ ؛ 1994م ـ ص 450 .

( [xviii] ) راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=hrm00063.htm

( [xix] ) راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 36 .

( [xx] ) المصدر السابق نفسه .

( [xxi] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 243 .

( [xxii] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 203 .

( [xxiii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 244 .

( [xxiv] ) راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=hrm00063.htm

( [xxv] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 204 .

( [xxvi] ) الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 40 .

( [xxvii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 245 .

( [xxviii] ) عبد العزيز بن راشد السنيدي ـ مكة المكرمة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص176.

( [xxix] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 143 .

( [xxx] ) عبد الكريم القطبي ـ إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 143 .

( [xxxi] ) راجع ؛ حامد عباس ـ قصة التوسعة الكبري ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

         كذلك راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ رحلة العمر ـ http://www.islamonline.net/Arabic/Hajj2002/maka/article07.shtml

( [xxxii] ) راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=hrm00063.htm

( [xxxiii] ) المصدر السابق نفسه .

( [xxxiv] ) إبراهيم حلمي ـ كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحجاج ـ مصدر سابق ـ ص 26 .

( [xxxv] ) المصدر السابق ـ ص 29 .

( [xxxvi] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 247 .

حجر إسماعيل

الحجر ـ بكسر الحاء وسكون الجيم ـ موضع بين الركن الشمامي والعراقي وهو عرضه مرخمة جدارها علي شكل نصف دائرة منقوشة بالرخام . وسمي حِجْراً لأنه منع واقتطع من الكعبة . (والحِجْر) في اللغة (المنع) ، وهو الموضع الذي يصب فيه ميزاب الكعبة ([i]) .

ويسمي بالحطيم والحظيرة ، وقد نهي ابن عباس عن تلك التسمية ، وعندما بنت قريش الكعبة وقصرت بهم النفقة أدخلوا بضعت اذرع من الكعبة في الحِجْر ؛ وكان إبراهيم عليه السلام قد جعله عريشاً إلي جانب الكعبة([ii]) ، ويسمى بالحطيم ، لأنه حطم من البيت ؛ أي كسر منه حيث انقصته قريش من البيت حين جددت بناء الكعبة المشرفة .

وقد سُمِّي بحجر إسماعيل ؛ لأن إسماعيل عليه السلام قد اتخذ إلى جوار الكعبة حجرًا ، وهو عريش من أراك ، وقيل سُمِّي بذلك ؛ لأن قريشًا في بنائها تركت من أساس إبراهيم عليه السلام ، وحجرت على الموضع ليعلم أنه من الكعبة([iii]) . وقد قيل أن به قبر إسماعيل عليه السلام([iv]) .

وقد روت الكثير من الأخبار عما أدخلته قريش من البيت في الحِجْر حين بنت البيت علي عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ، وقد قدمنا لذلك وسردنا عدداً من الأخبار عن ذلك والروايات ، ومنها ما ذكره الأزرقي :

حدثني جدي قال : حدثني مالك عن أنس عن ابن أبي شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال ألم تر أن قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ألا تردها علي قواعده ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ([v]) .

ومنها ما حكاه ابن كثير في تفسيره : “ حديث نافع قال سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر عن عائشة عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر ([vi]) ؛ وهي تلك الروايات التي اعتمد علي مثيلها عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ حين
بني الكعبة ، فقد أعاد تلك الأذرع التي انتقصتها قريش من البيت ، إلا أن الحجاج بن يوسف الثقفي رد ما صنعه عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ عناداً ، وقد بقي علي هذه الكيفية حتى اليوم .

والأزرقي يفرق بين الحِجْر والحطيم ، إذ يقول محدداً الحطيم روياً عن ابن جريح : “ الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر ([vii]) .

وقد وصف لنا أكثر من مصدر الحِجْر وذكر أبعاده ، ، وكان الأزرقي عمدة هذه المصادر جميعاً ؛إذ أكثر كثيرٌ منها الوصف عنه وأضاف له أو عدل عليه . ويصف لنا الأزرقي حِجْر إسماعيل بأن :

الحجر مدور وهو ما بين الركن الشامي والركن الغربي وأرضه مفروشة برخام وهو مستو بالشاذوران الذي تحت إزار الكعبة وعرضه من جدار الكعبة من تحت الميزاب إلي جدار الحجر سبعة عشر ذراعاً وثمان أصابع ، وذرع ما بين بابي الحجر عشرين ذراعاً وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً ، وذرع من داخله في السماء ذراع وأربعة عشر إصبعاً ، وذرعه مما يلي الباب الذي يلي المقام ذراع وعشر أصابع وذرع جدار الحجر الغربي في السماء ذراع وعشرون إصبعاً وذرع طول جدار الحجر من الخارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر إصبعاً وطوله من وسطه في السماء ذراعان وثلاث أصابع الرخام من ذلك ذراع وأربع عشرة إصبعاً وعرض الجدار ذراعان إلا إصبعين والجدار ملبس رخاماً وفي أعلاه في وسط الجدار رخامة خضراء طولها ذراعان إلا إصبعين وعرضها ذراع وثلاث أصابع “([viii]) .

ويتابع الأزرقي وصفه الدقيق لأبعاد الحِجْر ؛ فيقول :

” وذرع تدوير الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً وذرع تدوير الحجر من خارج أربعون ذراعاً وست أصابع وذرع ما بين وحدات الحجر من الشق الشرقي إلي الركن الذي فيه الحجر الأسود تسعة وعشرون ذراعاً وأربعة عشر أصبعاً ، وذرع ما بين جدات الحجر من الشق المغرب إلي حد الركن اليماني اثنان وثلاثون ذراعاً وذرع طوف واحد حول الكعبة مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنتا عشر إصبعاً ([ix]) .

وكان المقدسي قد وصفه بلغة صعبة علينا في هذا الزمان ، لكنه أبرز ملمحين في وصفه ؛ هما : أنه جهة الشام من الكعبة ، وأن الميزاب يصب به صباً ، وأن ارتفاع حداره عن الأرض يقارب المتر([x]) .

وقد نال حجر إسماعيل من الرعاية والاهتمام قسطاً وافراً كالبيت والمقام ؛ فعندما حج أبو جعفر المنصور ورأي حجارة الحجر ظاهرة للعين ، أمر أمير مكة وقتها زياد بن عبد الله الحارثي أن يستر جدار الحجر بالرخام ؛ كما جدد المهدي رخامه ، وعندما رث هذا الرخام أمر المتوكل بأن يقلع ويركب رخاماً أحسن منه ، كما جدد رخامه كل من الخليفة المعتضد ، والخليفة الناصر العباسي ، وكذلك المستنصر العباسي ، والملك المظفر صاحب اليمن([xi]) .

وفي العصر المملوكي ؛ أعتني بحجر إسماعيل كل من : والملك محمد بن قلاوون سنة 720هـ ، والملك علي بن الأشرف شعبان سنة 781هـ ، والملك الظاهر برقوق سنة 801هـ ، ثم جرت إصلاحات مختلفة فيه سنة 822هـ ، وعمّره الملك قانصوة الغوري 916هـ ، والسلطان قايتباي سنة 888هـ ؛ ومن العثمانيين السلطان عبد المجيد خان 1260هـ([xii]) .

وقد لحق بحجر إسماعيل الترميم في العصر الحديث ، ففي الترميمات الشاملة التي أُجريت في عصر الملك فهد “ تم إزالة الرخام القديم لجدران وأرضية الحِجْر ، واستبدلت برخام جديد . كما تم تنظيف الفوانيس الموجودة علي الجدران ، وإعادتها إلي موقعها السابق . وتم عمل حاجز من الحبال لمدخل الحِجْر ([xiii]).


( [i] ) إسماعيل أحمد إسماعيل ـ هامش ص 79 .

         راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 79 .

( [ii] ) راجع ؛ عبد القدوس الأنصاري ـ التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام ـ مصدر سابق ـ ص 86 .

( [iii] ) راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ ـ رحلة العمر ـ http://www.antomlife.com/Arabic/Hajj2002/maka/article08.shtml

( [iv] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 218 .

( [v] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 171 .

( [vi] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 181 .

( [vii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 23 .

( [viii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 320 – 322 .

( [ix] ) المصدر السابق  ـ ص 322 .

( [x] ) راجع ؛ عبد العزيز بن راشد السنيدي ـ مكة المكرمة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص ص 163 ـ 164.

( [xi] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 215 .

( [xii] ) راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ ـ رحلة العمر ـ http://www.antomlife.com/Arabic/Hajj2002/maka/article08.shtml

( [xiii] ) حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 473 .

الحجر الأسود

هو ذلك الحجر الذي وضع في الركن الشرقي من الكعبة ليكون دلياً يبتدئ من عنده الطواف ، وهو يرتفع عن الأرض حوالي متر ونصف ويوجد داخل طوق سميك من الفضة ، وكتب التاريخ والتفاسير مليئة بالأخبار عن أصل هذا الحجر ، وما تعرض له من أحداث .

فالفاسي يروي عن ابن عباس نقلاً عن الأزرقي أن الله أنزل الحجر الأسود مع آدم ليلة نزل ليستأنس به([i]) . كما يروي الفاكهي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال : “ أنزل الحجر ملك من الجنة ([ii]) ، دون أن يحدد الملاك بأنه جبريل عليه السلام كما في الكثير من الأخبار الأخرى ، ويذكر ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً }* ، “ فهبطوا ونزل آدم بالهند ونزل معه الحجر الأسود ([iii]) . ولدينا من الروايات والأخبار ما يروي أن الحجر قد جاء به جبريل عليه السلام لإبراهيم عند إتمام رفع القواعد ، منها ما ذكره ابن كثير في تفسيره : “ فبنى إبراهيم وبقي الحجر فذهب الغلام يبغي شيئا فقال إبراهيم أبغني حجراً كما آمرك قال فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل عليه السلام من السماء فأتماه ([iv]) ، وفي رواية أخري ـ يوردها ابن كثير ـ أن جبريل عليه السلام جاءه به من الهند([v]) .

ولدينا العديد من الروايات التي تؤكد علي أن الحجر الأسود كان أبيض ، منها ما رواه الفاكهي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال : “ الحجر الأسود من الجنة ، وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك ([vi]) ، “ وقد كشف لنا الرواة الأثبات أنه كان حجراً أبيض اللون ، ناصع البياض ، ولكن الحرائق التي أصابت الكعبة أحالته إلي لونه الأسود الحالي ([vii]) ، ولعل أهم هذه الحرائق الحريق الذي كان علي عهد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قبل البعثة ، حين عمدت مرأة إلي تبخير الكعبة بمجمرة فأحترقت وكانت أحد الأسباب التي وقفت وراء إعادة بناء قريش للكعبة ، فكما روي الأزرقي بسنده : “ أن امرأةً ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها وكانت ركاماً بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة وهنت جدرانها من كل جانب وتصدعت وكانت الخرف الأربعة عليهم مظللة والسيول متواترة ([viii]). ولعل منها ذلك الحريق الذي حدث أثر ضرب الكعبة بالمنجنيق علي عهد عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما . ويروي الفاكهي عن مجاهد بسنده أنه قال : “ نظرت إلي الركن حين نقض ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ البيت فإذا كل شيء من داخل البيت أبيض … قال مجاهد : إنما أسود ما ظهر منه لأن المشركين كانوا يلطخونه بالدم في الجاهلية ([ix]) .

وكانت قريش تجل الحجر الأسود ، ولعل تلك الفتنة التي حدثت بينهم حال بنائهم للبيت علي عهد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لخير شاهد علي إجلالهم للحجر الأسود ، وهو ما يحكيه لنا ابن كثير قائلاً :

” قال بن إسحاق ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلهم قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل رسول الله  فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال (صلي الله عليه وسلم) : هلم إلى ثوباً فأتى به فأخذ الركن يعني الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده (صلي الله عليه وسلم) ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قبل أن ينزل عليه الوحي ( الأمين ) ([x]) .

وقد تعرض الحجر الأسود للقلع والكسر ، وقد روى لنا المؤرخون الكثير عن هذا . فقد تعرض للسرقة علي يد القرامطة سنة 317 هـ([xi]) ، والفاسي يحكي لنا عما فعله القرامطة بالحجر الأسود فيقول :

ذكر أهل التاريخ أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة تسع عشرة وثلاثمائة .. وفعل فيها هو وأصحابه أموراً منكرة منها أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه وقيل قلعه جعفر بن فلاح البناء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشر خلت من ذي الحجة وذهب به إلي بلاده هجر([1]) بقي موضعه في الكعبة المعظمة خالياً يضع الناس فيه أيديهم للتبرك “([xii]) .

وقد بقي الحجر عند القرامطة في البحرين نحو عشرين عاماً ؛ إلي أن قام الشريف أبي علي بن عمر بن يحيي العلوي بالوساطة بين القرامطة والخليفة المطيع لله([xiii]) ، فردوه إلي موضعه بالكعبة ، ويصف الفاسي يوم أن رد الحجر إلي موضعه فيقول :

إلي حين رد إلي موضعه من الكعبة المعظمة وذلك في يوم الثلاثاء يوم النحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة علي ما ذكره المسبحي وذكر أن الذي وافي به مكة سنبر بن الحسن القرمطي وأن سنبرا لمل صار بفناء الكعبة ومعه أمين مكة أظهر الحجر من سفط وعليه ضبار فضة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقاً حدثت عليه بعد انقلاعه وأحضر معه جصاً يشد به فوضع سنبر الحجر بيده وشده الصانع بالجص وقال سنبر لما رده أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئة الله ونظر الناس إلي الحجر فتبينوه وقبلوه واستلموه وحمدوا الله تعالى ([xiv]) .

ثم أن السدنة ـ كما يذكر الفاسي ـ “ في سنة أربعين وثلاثمائة قلع الحجبة الحجر الأسود الذي نصبه سنبر وجعلوه في الكعبة خوفاً عليه وأحبوا أن يجعلوا له طوقاً من فضة يشد به كما كان قديماً حين عمله ابن الزبير فأخذ في إصلاحه صانعان حاذقان فعملا له طوقاً من فضة وأحكماه ([xv]) .

ولم يسلم الحجر الأسود من الأذى بعد فتنة القرامطة ، فإنه “ في سنة ثلاث عشر وأربعمائة يوم النفر الأول قام رجل فقصد الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات . بدبوس وتخربش وجه الحجر من تلك الضربات وتساقطت منه شظايا مثل الأظافر .. وتشقق وخرج أسمر يضرب إلي الصفرة محبباً مثل الخشخاش فأقام الحجر علي ذلك يومين ثم إن بني شيبة جمعوا الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذلك ([xvi]) .

والحجر الأسود موجود حالياً في موضعه في الركن الشرقي من الكعبة المسمى باسمه لأنه علم ، وأنه مازال هو العلامة لبدء الطواف باستلامه .


* سورة البقرة ـ الآية 38 .

( [1] ) تشمل الإحساء بالمملكة العربية السعودية والبحرين حالياً .


( [i] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 191 .

( [ii] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 83 .

( [iii] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 81 .

( [iv] ) المصدر السابق ـ ص 179 .

( [v] ) راجع المصدر السابق نفسه .

( [vi] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 84 .

( [vii] ) عبد القدوس الأنصاري ـ التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام ـ مصدر سابق ـ ص 85 .

( [viii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 160 .

         وقد ذكر السيوطي نحوه ، من تخريج البيهقي عن ابن شهاب .

         راجع ؛ السيوطي ـ الدر المنثور ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 309 .

( [ix] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 92 .

( [x] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 181 ؛ 182 .

( [xi] ) محمد بن عبد الله القدحات ـ جهود الخلافة العباسية في عمارة الحرمين الشريفين ومشاعر الحج في الحجاز ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 119.

( [xii] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 193 .

( [xiii] ) محمد بن عبد الله القدحات ـ جهود الخلافة العباسية في عمارة الحرمين الشريفين ومشاعر الحج في الحجاز ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 120.

( [xiv] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 193 .

( [xv] ) المصدر السابق ـ ص ص 193 – 194 .

( [xvi] ) المصدر السابق ـ ص 194 .

بئر زمزم

كان وجود بئر زمزم هو الحافز الطبيعي ؛ إلي جانب الحافز الديني ؛ لاستيطان هذه البقعة المباركة من الأرض التي كانت بلا ماء وبلا زرع كما وصفها النص القرآني ، وقد ارتبط ظهور زمزم بحلول أسرة إبراهيم عليه السلام للسكن بها ؛ فقد أستودع إبراهيم عليه السلام أسرته في رعاية الله بهذا المكان القفر ، وودائع الله لا تضاع .

واسم زمزم مختلف في سبب تسمية بئر زمزم به فقيل لكثرة ماء البئر ، فإن من معاني الزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع .. أو أن أصل تسميتها بزمزم هو صوت الماء .. والزمزمة صوت تخرجه الفرس من خياشيمها عند شرب الماء ([i]) .

وقيل : “ وإنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة ، والهزمة : الغمزة بالعقب في الأرض ([ii]) .

وأول ظهور لزمزم في التاريخ ؛ كان من جبريل عليه السلام عندما ظمأ إسماعيل عليه السلام([iii]) ؛ ويذكر ياقوت الحموي في “معجم البلدان” أن من الناس من يُنكر ذلك ويقول : إن إسماعيل حفره بالمعاول والمعالجة كسائر المحفورات ، ولكنه لا يذكر أي رواية لذلك ، فمعظم الروايات تنسب ظهور البئر إلي جبريل عليه السلام ، ولكن الروايات اختلفت في كيفية صنع جبريل عليه السلام حين أخرج الماء .

فبعد أن ترك إبراهيم عليه السلام السيدة هاجر وابنهما إسماعيل عليه السلام بوادي مكة ؛ “ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى … فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس قال النبي (صلي الله عليه وسلم) فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث ـ فإذا هي بالملك موضع زمزم فنجت بعقبه ـ أو قال بجناحه ـ حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه بيدها وتغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعدما تغرف قال ابن عباس قال النبي (صلي الله عليه وسلم) يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم ـ أو قال ـ لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً فشربت وأرضعت ولدها ([iv]) .

وقد روي الأزرقي نحو ذلك([v]) ؛ ثم روي سبب اختفائها بعد ذلك ؛ فقال :

كانت جرهم تشرب من ماء زمزم فمكث بذلك ما شاء الله أن تمكث فلما استخلفت جرهم بالحرم وتهاونت بحرمة البيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سراً وعلانية وارتكبوا مع ذلك أموراً عظاماً نضب ماء زمزم وانقطع فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصراً بعد عصر حتى غبي مكانه وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت وخوفهم النقم وقال لهم : إن مكة بلد لا تقر ظالماً فالله الله قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا علي ذلك ، فلما لم يزدجروا ولم يعون وعظه عمد إلي غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعية كانت أيضاً في الكعبة فحفر لذلك كله في بليل في موضع زمزم ودفنه سراً منهم حين خافهم عليه فسلط الله عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله أن تليه ، وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمان ([vi]) .

ثم أوضحه الله لعبد المطلب جد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ بعلامات فحفرها ، وكان ذلك قبل مولد النبي ـ صلي الله عليه وسلم([vii]) . ويروي الفاكهي قصة الظهور الثاني لزمزم علي يد عبد المطلب جد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ؛ فيقول بسنده عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنه :

أُتِى عبد المطلب في المنام ، فقيل له : احتفر ؟ قال : ما احتفر ؟ قال : برّة . قال : وما برّة ؟ قال : مضمونة ضُنّ بها عن الناس واعطيتموها . قال : وأتاه بنو عمه ، فقال : إني رأيت في المنام ، قيل لي : احتفر ، قلت : ما احتفر ؟ قال :برّة . قلت : وما برّة ؟ قال : مضمونة ضُنّ بها عن الناس واعطيتموها . قالوا : أو لا سألته ؟ قال فنان فأُتي في المنام ، فقيل : احتفر . فقال : وما احتفر ؟ قال : احتفر زمزم . قال : وما زمزم ؟ قال : لا تنزف ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم . قال : فانتبه فأخبرهم برؤياه . قالوا : أو لا سألته عن موضعها ؟ قال : فنام فأُتي في المنام فقيل له : احتفر . قال : وأين ؟ قال : مسلك الذر* ، وموضع الغراب ، بين الفرث والدم . قال : فاستيقظ فأخبرهم . قالوا : هذا موضع خزاعة ولا يدعونكم تحتفرون في موضع نصبهم** . قال : وقد قيل له في المنام : إن قومك يكونون عليك أول النهار ويكونون معك آخر النهار ، قال : ولم يكن من ولده إلا الحارث بن عبد المطلب . قال :فأقبل هو والحارث يحفران ، فحفرا ، فاستخرجا غزالاً من ذهب في أذنيه قرطان ، ثم حفرا فاستخرجا حلية ذهب وفضة . فقالوا بنو عمه : يا عبد المطلب أحد قومك . قال : ثم حفرا فاستخرجا سيوفاً ملفوفة في عباءة ثم حفرا فاستخرجا الماء ، فقالوا لعبد المطلب : إن لنا معك من هذا شركاً وحقاً . قال : نعم ، ائتوني بثلاثة قداح أسود وأبيض وأحمر ، فأتوه بثلاثة قداح فجعل الأسود لهم ، والأحمر للبيت ، والأبيض له ، ثم اقرع بينهم ، فأصاب الحلية البيت ، وأصابته السيوف ، وأصاب قومه الغزال ([viii]) .

أما صفة بئر زمزم ، فيذكر الديار بكري أن عمقها 76 ذراعاً([ix]) ( حوالي 43 متراً تقريباً )([x]) ؛ “ وفي قعرها ثلاث عيون حذاء الركن الأسود وعين حذاء أبي قبيس والصفا وعين حذاء المروة وذكر ذلك الفاكهي وذكر الفاكهي خبراً فيه أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار : فأي عيونها أغزر ؟ قال العين التي تخرج من قبل الحجر قال صدقت ([xi]) . وقد قام الفاسي بقياس فم البئر ، فوجد أن سعته أربعة أذرع ونصف([xii]) ( حوالي 2.54 متراً )([xiii]) ، وتدويره 15 ذراعاً إلا قراطين([xiv]) ( حوالي 8.44 متراً )([xv]) .

والقياسات الحديثة لزمز تبين أن عرض البئر أربعة أمتار ، وعمقه 14.80 متر ، وقط البئر يتراوح بين المتر والنصف وبين المترين([xvi]) .

والقياسات الحديثة لبئر زمزم تبين أن للمياه ثلاثة مصادر هي :([xvii])

المصدر الرئيسي : وهو عبارة عن فتحة تتجه جهة  الكعبة  المشرفة في اتجاه الركن المواجه لحجر إسماعيل وطولها 45 سنتيمتر ، وارتفاعها 30 سنتيمتر ، وبها غور إلى الداخل ، ويتدفق منها  القدر الأكبر من المياه .

المصدر الثاني : وهو عبارة عن فتحة كبيرة بطول 70 سنتيمتر ، ومقسومة من الداخل إلى فتحتين وارتفاعها 30 سنتيمتر باتجاه جياد .

المصادر الفرعية : وهى فتحات صغيرة بين أحجار البناء تخرج منها المياه ، ويوجد منها خمس في المسافة بين الفتحتين الأساسيتين ، وقدرها متر واحد ، كما بوجد 21 فتحة أخرى ولكنها ليست على مستوى واحد ، وتتدفق منها المياه بكميات متفاوتة .

وكان أول من عمل علي زمزم شباكاً هو أبو جعفر المنصور ، وجعل عليها رخاماً وفرش أرضيتها به([xviii]) . وقد بني فوق الموضع الذي فيه زمزم بناءً يصفه الفاسي بقوله :

وأما الموضع الذي فيه زمزم فهو بيت مربع وفي جدرانه تسعة أحواض للماء يملأن من بئر زمزم فيتوضأ الناس منها إلا واحداً منها معطلاً وفي الحائط الذي يلي الكعبة شبابيك وهذا البيت مسقوف بالساج ([xix]) .

وقد جعل لزمزم خلوة يدخل لها من أراد الشراب ، وكان بابها جهة الصفا ، ثم سد ، وجعل في موضع الخلوة بركة بصنابير يتوضأ ، ثم هدم ذلك ، وجعل بيت مستطيل فيه ثلاثة شبابيك كبيرة فوق كل شباك حديد ، أحدها جهة الكعبة واثنين جهة الصفا ، وتحت كل شباك حوض داخل البيت وفيه بركة حاملة للماء ، وفي هذا الموضع كان مجلس عبد الله بن العباس ـ رضي الله عنهما([xx]) . “ ونتيجة لأن بعض العشاق وأصحاب الشوق كانوا يلقون بأنفسهم في بئر زمزم فيغرقون فقد أمر السلطان أحمد خان الأول بأن يمنع الناس من قتل أنفسهم بصنع شبكة حديدية في دار السعادة (استانبول) لكي توضع داخل البئر ، وبعد أن تم صنعها في سنة 1024 هـ = 1615 م أرسلت إلي مكة وتم تثبيتها بسلاسل من حديد داخل البئر تحت سطح الماء بمقدار بضعة أذرع ([xxi]) .

وفي أعمال التوسعة 1383 هـ اضطر السعوديون لهدم البناء الذي كان قائماً فوق زمزم ؛ والذي كان الهدف منه حفظ معدات النضح ، وتسهيل العمل علي إدارة أمور البئر([xxii]) .

السقاية

يقول المستشرق الهولندي هورخرونيه أن الروايات التي يتداولها الأوربيون عن زمزم روايات سخيفة ، وهو يعتقد أن ماء زمزم لذيذ وفيه شفاء([xxiii]) .

وقد كانت السقاية قبل بئر زمزم عبارة عن حياض من أدم توضع بفناء الحرم يجلب لها الماء العذب من الآبار علي الأبل كي يشرب منها الحجيج([xxiv]) . وقد اختص بالسقاية بعد الفتح العباسيون حتى تولوا الخلافة ؛ ويقول أيوب صبري في كتابه “مرآة جزيرة العرب” : ولما تولى بنو العباس الخلافة حالت أعمال الملك دون قيامهم بأمر السقاية ، فكانوا يعهدون إلى آل الزبير المتولين التوقيت في الحرم الشريف القيام بأعمال السقاية بالنيابة ، ثم طلب الزبيريون من الخلفاء العباسيين ترك السقاية لهم ، فتركوها لهم بموجب منشور . إلا أنه نظرا لكثرة الحجاج فقد اشترك معهم آخرون في العمل باسم الزمازمة .

ويروي المستشرق هورخرونيه : “ أن الزمازمة في مكة لهم نقابة خاصة . وهم يطلبون أجراً علي عملهم ، أو استعمال أوانيهم الخاصة . غير أن الدخول إلي البئر واستعمال الماء مسموح لكل فرد مجاناً ([xxv]) .

أما بعد التجديدات الشاملة التي حدثت في عهد الملك فهد ، فقد أصبح الماء متوفراً في كافة أرجاء المسجد عبر مجموعة من مبردات المياه ، التي تقدم ماء زمزم للحجاج بارداً .

مصباح زمزم

يسرد الفاكهي عن أول من عمل مصباحاً لزمزم ؛ وهو خالد بن عبد الله القسري ؛ أنه وضع مصباح زمزم كي يضئ لأهل الطواف مقابل الركن الأسود ، وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان([xxvi]) .

فلما تولي محمد بن سلمان مكة في سنة ست عشرة ومائتين وضع عموداً طويلاً مقابله بحزاء الركن الغربي ، فكان كذلك حتى كانت سنة اثنتين وعشرين ومائتين ، فولي محمد بن داود مكة ، فجعل عمودين طويلين : أحدهما عند الركن اليامني ، والآخر بحزاء الركن الغربي .

فلما استخلف هارون الواثق بالله أمير المؤمنين في سنة سبع وعشرين ومائتين أراد الحج ، فأمر بعمل بيت الشراب ، ودار العجلة ، والبرك ، ومسجد الحيف ، والقصور ، والأميال في الطريق ، وبعث بعمد طوال عشرة من خشب ملبسة شبه الصفر ، فجعلت حول الطواف يستصبح عليها لأهل الطواف ، وأمر بثماني ثريات يستصبح بها في المسجد ([xxvii]).


*  أي النمل .

** أي صنمهم .


( [i] ) محمد محمود صلاح ـ الفيوض الربانية في الرحلة النورانية معجزة الإسراء والمعراج ـ الطبعة الأولي ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة ـ مصر ـ 1410 هـ ؛ 1990 م ـ ص 134 .

( [ii] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الثاني ـ دار حضرموت ـ الطبعة الثانية ـ 1414 هـ ؛ 1994م ـ ص 10 .

( [iii] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 247 .

( [iv] ) السيوطي ـ الدر المنثور ـ الجزء الأول ـ ص ص 304 ـ 305 .

( [v] ) راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 39 ـ 40 .

( [vi] ) المصدر السابق ـ ص 41 .

( [vii] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 248 .

( [viii] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 11 ـ 13 .

( [ix] ) راجع ؛ الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 40 .

( [x] ) الذراع = 56.5 سنتيمتر تقريباً .

( [xi] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 248 .

( [xii] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 249 .

( [xiii] ) اعتماداً علي أن ذراع الحديد = 56.5 سنتيمتر تقريباً .

         راجع ؛ أحمد السيد دراج ـ الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا ـ مصدر سابق ـ ص 97 .

         وحساب الباحث للأطوال حساب تقريبي يتتبع فيه ما جاء في مصادره .

( [xiv] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 248 .

( [xv] ) اعتماداً علي أن ذراع الحديد = 56.5 سنتيمتر تقريباً .

         راجع ؛ أحمد السيد دراج ـ الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا ـ مصدر سابق ـ ص 97 .

         وحساب الباحث للأطوال حساب تقريبي يتتبع فيه ما جاء في مصادره .

( [xvi] ) راجع ؛ حامد عباس ـ قصة التوسعة الكبري ـ مصدر سابق ـ ص 140 .

( [xvii] ) راجع ؛ موقع مكتب الزمازمة الموحد : http://www.zamazemah.com/fil/m-meter.htm

( [xviii] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 78 .

( [xix] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ  مصدر سابق ـ ص 249 .

( [xx] ) راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 251 .

( [xxi] ) وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص ص 144 ـ 145 .

( [xxii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 81 .

( [xxiii] ) المصدر السابق ـ ص 75 .

         ويفضل الوقوف علي كلامه السابق لمعرفة رأيه كاملاً .

         راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 74 ـ 75 .

( [xxiv] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الثاني ـ  مصدر سابق ـ ص 87 .

( [xxv] ) ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص  75 .

( [xxvi] ) راجع ؛ الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 68 .

( [xxvii] ) المصدر السابق ـ ص 69 .

الصفا والمروة (المسعى)

إن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج ، ويصفهما ياقوت الحموي في “معجم البلدان” ؛ بأنهما جبلان بين بطحاء مكّة والمسجد . فأمّا الصفا ؛ فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق ، ويذكر أن من وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود . والصفا في الأصل جمع صفاة ، وهي الحجر العريض الأملس ، والمراد به هنا مكان عال في أصل جبل أبي قبيس جنوب المسجد قريب من باب الصفا ، وهو شبيه بالمصلى طوله ستة أمتار ، وعرضه ثلاثة ، وارتفاعه نحو مترين كذلك كان([i]) .

أما المروة في الأصل واحد المرو ، وهي حجارة بيض ، والمراد هنا مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان في الشمال الشرقي للمسجد الحرام قرب باب السلام ، وطوله أربعة أمتار ، في عرض مترين ، وارتفاع مترين([ii]) .

والطريق الذي بين الصفا والمروة هو (المسعى) مكان السعي ، والمسعى الآن داخل في المسجد الحرام نتيجة التوسعة السعودية سنة 1375 هـ([iii]) .

وأول من سعي بين الصفا والمروة كان هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام بحثاً عن الماء أو مغيث كما تذكر معظم الروايات ، ومنها ما رواه الطبري في تفسيره :

لـما فرّت من سارة ، أَرْخَتْ من ذيـلها لتعفـي أثرها ، فجاء بها إبراهيـم ومعها إسماعيـل حتـى انتهى بهما إلـى موضع البـيت ، فوضعهما ثم رجع ، فـاتبعته ، فقالت : إلـى أيّ شيء تكلنا ؟ إلـى طعام تكلنا ؟ إلـى شراب تكلنا ؟ فجعل لا يردّ علـيها شيئاً ، فقالت : آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا “([iv]) .

وعادت هاجر إلي وليدها ، ومضي إبراهيم عليه السلام مطلقاً دعوته : { رَبّ إنّـي أسْكَنْتُ منْ ذُريَّتِـي بَوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَـيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً منَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهمْ وَارْزُقْهُمْ منَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، وكان معها بعض الماء ، وظلت تشرب منه حتي ” نفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها ، فعطش الصبيّ ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصعِدَت بالصفا ، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً فلم تسمع ، فانحدرت ، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي ، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتاً ، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً ، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه : صه حتى استيقنت ، فقالت : قد أسمعتني صوتك فأغثني ، فقد هلكتُ وهلك من معي فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عيناً ، فعجلت الإنسانة فجعلت فـي شَنَّتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رَحِمَ اللّهُ أُمّ إسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِيناً »([v]) .

ويذكر المستشرق الهولندي هورخرونيه “ أن الصفا والمروة كانتا تلتين مرتفعتين ، لكنهما الآن لا يرتفعان إلا قليلاً عن مستوى الشارع ([vi]) . ولعل ذلك بسبب ما استحدثه الخلفاء والسلاطين من عمارة علي الصفا والمروة ، وما جلبته السيول من طين علي مر الأزمان المتوالية . ففي عهد المنصور بنا عامله درجاً علي ما ذكر الأزرقي ؛ “ كان الصفا والمروة يسند فيهما من سعى بينهما ، ولم يكن فيهما بناء ولا درج ، حتى كان عبد الصمد ابن علي في خلافة أبو جعفر المنصور ، فبني درجهما التي هي اليوم درجهما ، فكان أول من أحدث بناءهما ([vii]) ؛ ثم طليت في خلافة المأمون ، ثم جدد الدرج السلطان برقوق سنة 802 هـ([viii]) ضمن ما جدد بالمسجد الحرام بعد السيل الذي اجتاح المسجد الحرام في الثامن من جمادى الأولى سنة 802 هـ([ix]) . ثم جددها السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1296 هـ ، وفي سنة 1314 هـ سقف الملك الحسين بن علي المسعى ، ثم بلط في عهد الملك عبد العزيز آل سعود سنة 1354 هـ([x]) .

ويصف إبراهيم رفعت الصفا والمروة سنة 1325 هـ ؛ كالتالي :([xi])

  1. ارتفاع الصفا : 6 أمتار .
  2. عرض الصفا : 3 أمتار .
  3. المسافة من الصفا إلي الميل الأخضر الأول : 70 متراً .
  4. المسافة بين الميلين الأخضرين : 75 متراً .
  5. المسافة بين الميل الأخضر الثاني والمروة : 240 متراً .

وفي مشروع التوسعة السعودية الأولي ، وفي المرحة الأولي منها ؛ 1377 ـ 1378هـ ؛ فقد تم بناء المسعى بطابقين من فوق الممر التاريخي القائم ، وقد بلغ طول المسعى 394.5 متراً ، وعرضه 20 متراً ، وارتفاع الطابق الأول 12 متراً ، والثاني 9 أمتار ، كما أقيم في وسط المسعى حاجز يقسمه إلي قسمين ؛ أحدهما للذاهبين من الصفا إلي المروة ، والأخر للعائدين من المروة إلي الصفا ؛ وهذا الحاجز لمنع التصادم والزحام . كما تم بناء سلم دائري للصفا وأخر للمروة ، أحد جانبيه للصعود والأخر للهبوط . كما جعل للطابق الأول من المسعى ثمانية أبواب علي الواجهة الشرقية للشارع العام للدخول إلي المسجد الحرام . كما جعل للطابق الثاني من المسعى أربعة مداخل ، اثنان عند الصفا أحدهما مدخله خارج الحرم والثاني داخل المسجد ، واثنان عند المروة علي غرار السابقين . كما بني تحت الطابق الأول طابق سفلي بلغ ارتفاعه 3.5 متر مستوى سطحه في مستوي أرض الحرم([xii]).


( [i] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 320 .

          كذلك راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=fqh029.htm

( [ii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 321 .

( [iii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

( [iv] ) الطبري ـ تفسير الطبري ـ الجزء الثالث عشر ـ مصدر سابق ـ ص 152 .

( [v] ) المصدر السابق نفسه .

( [vi] ) ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 97  ـ 98 .

( [vii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 120 .

( [viii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .

( [ix] ) راجع ؛ رشدي صالح ملحس ملحق بكتاب : الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار .

         راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 314 .

( [x] ) راجع المصدر السابق ـ هامش ص 120 .

( [xi] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 34 .

( [xii] ) راجع ؛ رشدي صالح ملحس ملحق بكتاب : الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار .

         راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 332 – 333 .

         كذلك راجع ؛ لبيك اللهم ـ وزارة الإعلام ـ مصدر سابق ـ ص 68 .

المنبر

لم يكن استعمال الخطباء للمنابر في الإسلام من باب الترف كما يقول المستشرق الهولندي هورخرونيه([i]) ؛ فقد استخدم الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ المنبر في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ، وكانت الغاية من استخدام المنبر أن يكون الخطيب في مكانٍ مرتفع ليتمكن المصلين من رؤيته والاستماع إليه . ففي “لسان العرب” : “ والمِنْبَر : مَرْقاةُ الخاطب ، سمي مِنْبراً لارتفاعه وعُلُوِّه . وانْتبر الأميرُ : ارتفع فوق المنبر ([ii]) .

لقد ظل المسجد الحرام بلا منبر طوال عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ؛ علي قصره الزماني بمكة ؛ وظل هكذا أيضاً طيلة فترة خلافة الخلفاء الراشدين ؛ فكان الخلفاء والولاة يخطبون يوم الجمعة قياماً علي الأرض في وجه الكعبة وفي الحجر([iii]) ، حتى زار معاوية بن أبي سفيان مكة حاجاً فأمر بصناعة منبر صغير من ثلاث درجات ، ويروي الأزرقي بسنده أن “ أول من خطب بمكة علي منبر ، معاوية بن أبي سفيان ، قدم من الشام سنة الحج في خلافته ، منبر صغير علي ثلاثة درجات ، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك ، يخطبون يوم الجمعة علي أرجلهم قياماً في وجه الكعبة وفي الحجر ([iv]) . وقد قرأت أول خطبة من فوق هذا المنبر سنة 44 هـ / 664 م([v]) . وقد ظل هذا المنبر الذي أمر بصنعه معاوية قائماً حتى استبدله هارون الرشيد بأخر ، يقول الأزرقي :

وكان ذلك المنبر الذي جاء به معاوية ، ربما خرب ، فيعمر فلا يزاد فيه ، حتى حج الرشيد هارون أمير المؤمنين في خلافته ، وموسى بن عيسى عامل له علي مصر فأهدي له منبراً عظيماً في تسع درجات منقوش ، فكان منبر مكة ، ثم أخذ منبر مكة القديم فجعل بعرفة ، حتى أراد الواثق بالله الحج فكتب ، فعمل له ثلاث منابر : منبر مكة ، ومنبر بمنى ، ومنبر بعرفة ([vi]) .

وقد تم استبدال المنبر بعد ذلك عدة مرات ، منها ما كان في عصر السلاطين المماليك ؛ كما يذكر أيوب صبري في كتابه “مرآة مكة” ؛ فقد أرسل الملك الأشرف منبراً سنة 766 هـ / 1364 م ، وأرسل الملك برقوق منبراً أخر سنة 797 هـ / 1394 م ، وكذلك السلطان قايتباي سنة 881 هـ / 1476 م([vii]) ؛ وفي سنة 866 هـ ارسل الملك الناصر حوشقدم منبراً خشبياً ، وفي سنة 877 هـ ارسل الملك الأشرف قايباي منبراً خشبياً خطب عليه سنة 881 هـ([viii]) .

وقد عمر بالمسجد الحرام المنبر الذي أمر به السطان سليمان خان سنة 956 هـ / 1549 م([ix]) ، وقد صنع في استانبول صناعة يدوية([x]) ، وقد ركب إلي جانب المقام الإبراهيمي من الجهة الشمالية ، وهو مصنوع من الرخام الأبيض ، وعرضه 1.88 متر ، وعرضه 80 سنتيمتر ، وبه 13 درجة تنتهي بمقعد الخطيب ، وهو يرتفع عن الأرض 4.37 متر ، وارتفاعه 10.47 متر([xi]) .

أما صفة هذا المنبر ، فإنه يتكون من ثلاثة قطع :([xii])

الأولي : باب المنبر ، وله فتحة نصف دائرية عليه حلية مزخرفة علي شكل تاج .

الثانية : المصعد ، ويعلو جسم المنبر علي شكل مثلث قائم الزاوية عليه زخارف هندسية ، وداخل هذا المثلث يوجد مثلثين أصغر حجماً ، أسفلهما أربع نوافذ نصف دائرية .

الثالثة : مئذنة المنبر ، وهي علي شكل قلم([xiii]) ، والجزء العلوي منها به تضليعات طولية بها أربعة نوافذ تطل علي الجهات الأربعة .

ويصف إبراهيم رفعت هيئة الخطيب يوم الجمعة في زمانه ؛ فيقول :

والعادة الآن بل ومن قديم الزمان أنه إذا أراد الخطيب أن يخطب للجمعة يقبل بين شخصين من الأغوات يتهادي بينهما بيد كل منهما راية ، ثم يعمد إلي الحجر الأسود فيقبله ويدعو عنده ، ثم يقصد إلي المنبر بين الأغوات وأمامه شخص ثالث يضرب بالفرقعة ـ عود به جلد رقيق ـ في الهواء فيسمع من في داخل المسجد وخارجه صوتها الشديد ، ويقصد بذلك إعلام الناس بخروج الخطيب ، فإذا ما كان علي باب المنبر ناوله شخص هنالك سيفاً وثبتت الرايتان بجانب المنبر ، فإذا ما رقي الدرجة الأولي ضربها بسيفه ضربة مسموعة ، وكذلك يفعل في الدرجة الثانية والثالثة ، فإذا ما وصل إلي العليا فعل بها كذلك ثم يدعو بدعاءٍ خفي ويسلم علي الناس يميناً وشمالاً فيردون عليه ، ثم يأخذ المؤذنون علي ظهر زمزم في الأذان الثاني وبعد الفراغ منه يشرع في الخطبة ومما يقوله فيها : اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد ما طاف بهذا البيت طائف ويشير بأصبعه إلي الكعبة ويدعو للخلفاء الأربعة وعمي النبي صلي الله عليه وسلم وسبطيه وأمهما وجدتهما وكذلك يدعو للخليفة وأمير مكة وإذا فرغ من الخطبة صلي وانصرف بجانبيه حاملا الرايتين وبين يديه المفرقع يعلم الناس بانتهاء الخطبة والصلاة ([xiv]) .

ويعلق إبراهيم رفعت([xv]) علي ما سرده من وصف هيئة الخطيب يوم الجمعة ؛ بقول الله عز وجل : { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } .

أما عن رفع المنبر من ساحة المسجد الحرام ؛ فلدينا روايتين متضاربتين عنه ؛ ترد أولاهما في هامش محقق كتاب “إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” ، وتقول بأن المنبر رفع من ساحة الحرم لأنه تعرض للكسر نتيجة الاعتداءات التي وقعت علي الحرم في غرة شهر محرم سنة 1400 هـ ، وأنه نقل لإلي متحف الحرم لإصلاحه وترميمه([xvi]) .

أما الثانية فيورها المعلقون علي كتاب “صفحات من تاريخ مكة المكرمة” ؛ وتقول بأن مبني المنبر قد أزيل من الساحة الحرم أثناء مشروع توسعة المطاف سنة 1399 هـ([xvii]) .


( [i] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 82 .

( [ii] ) ابن منظور ـ لسان العرب ـ مادة : ن ب ر .

( [iii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 252 .

( [iv] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 99 ـ 100 .

( [v] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [vi] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 100 .

( [vii] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [viii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 253 .

( [ix] ) راجع ؛ المصد السابق ـ ص ص 150 ـ 151 .

         كذلك راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ  ص 82 .

         غير أن إسماعيل أحمد إسماعيل محقق كتاب “ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” يذكر أن التاريخ كان سنة 966 هـ ، ويكرر هذا التاريخ .

         راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 75 و 76 .

         أما وليد سيد حسنين ، فإنه يذكر في هامشه أن التاريخ سنة 966هـ / 1557م ، وهو تاريخ مغاير لما ذكره وأثبته في المتن .

         راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

         وكذلك الهامش في الصفحة ذاتها .

        أما في هامش صفحة 150؛ فهو يورد نقلاً عن إبراهيم رفعت ما يؤرخ به لإرسال المنبر بسنة 966هـ / 1558 م ، وتتكرر في ذات الهامش مرتين .

       راجع ؛ المصدر السابق ـ هامش ص 150 .

( [x] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [xi] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 75 .

( [xii] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [xiii] ) الشكل القلمي للمئذنة هو النمط السائد في المأذن العثمانية ، وهو النمط الطرازي المميز لها .

( [xiv] ) إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 254 ـ 255 .

( [xv] )  راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 255 .

( [xvi] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 76 .

( [xvii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 82 .

باب بني شيبة ( باب السلام )

باب بني شيبة أو باب السلام كما أشتهر ، وقيل له قديماً باب بني عبد شمس بن عبد مناف في الجاهلية وصدر الإسلام([i]) ؛  وهو يقع في الجانب الشرقي من الكعبة ، ويذكر القطبي أن به ثلاث مداخل([ii]) ، وهو الباب الذي كان يبين حدود مساحة المسجد الحرام علي عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم([iii]) .

ويصف لنا الأزرقي ماكان عليه باب السلام ؛ فيقول :

وهو الباب الكبير الذي يقال له : ( باب نبي شيبة ) وهو ( باب بني عبد شمس بن عبد مناف ) ، وبهم كان يعرف في الجاهلية والإسلام عند أهل مكة ، فيه اسطوانتان [عمودان] وعليه ثلاث طاقات [مداخل] ، والطاقات طولها عشرة أذرع [4.80 متر] ، ووجهها منقوش بالفسيفساء ، وعلي الباب روشن* ساج منقوش مزخرف بالذهب والزخرف ، وطول الروشن سبعة وعشرون ذراعاً [13 متر تقريباً] ، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف [1.68 متراً] ، ومن الروشن إلي الأرض سبعة عشر ذراعاً [8.16 متراً] ، وما بين جدري الباب أربعة وعشرون ذراعاً [11.52 متراً] ، وجدرا الباب ملبسين برخام أبيض وأحمر ، وفي العتبة أربع مراقي** داخلة ، ينزل بها في المسجد ([iv]) .

وكان موضع هذا الباب في ساحة المسجد الحرام خلف مقام إبراهيم عليه السلام ، وقد أزيل في مشروع توسعة المطاف([v]) .

ويذكر ابن تيمية أن النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ كان في المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى ، فكان إذا دخل من الثنية العليا ، خرج من الثنية السفلى . وإذا دخل المسجد من باب بني شيبة ، خرج بعد الوداع من باب حزورة([vi]).


* الروشن = الكوة ، وهو سقف فتحة الباب الداخلية .

** درجات .


( [i] ) راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 87 .

         وكذلك راجع ؛ الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 48 .

( [ii] ) راجع ؛ عبد الكريم القطبي ـ إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 136 .

         وكذلك راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 87 .

         وكذلك راجع ؛ الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 48 .

( [iii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 82 .

( [iv] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 87 .

( [v] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 82 .

( [vi] ) راجع ؛ ابن تيمية ـ مجموع الفتاوى ـ الجزء السادس والعشرين ـ دار عالم الكتاب ـ بيروت ـ بدون تاريخ ـ ص 133 .