تمثل المذاهب الإسلامية منعطفاً هاماً في تاريخ المسلمين ، ويري البعض أنها رحمة ، ويراها البعض الأخر نقمة ومدخلاً للفتنة ، وقد تمثلت المذاهب الإسلامية الرئيسية في ساحة المسجد الحرام بأربعة مقامات للأئمة الأربعة : الشافعي ، والمالكي ، وأبي حنيفة ، والحنبلي ، ويوجد كل واحد من هذه المقامات في جهة من الجهات الأربع للبيت العتيق ، وتوجد بعض روايات تشير إلي أن المذهب اليزيدي (الشيعي) قد أقام أتباعه الصلاة في ساحة المسجد الحرام ـ علي ما وصف ابن جبير في رحلته([i]) ، غير أنه لا يوجد دليل علي أنه كان هناك مقام لهذا المذهب في ساحة المسجد الحرام في يوم من الأيام([ii]) .
وفي الأصل ـ طبعاً ـ لم يكن لهذه المقامات وجود ، فهي من المستحدثات في ساحة المسجد الحرام ، ولم يكن في المسجد الحرام في زمان العباسيين سوى مقامٍ واحد لأئمة الشافعية كان موقعه خلف مقام إبراهيم عليه السلام ، وعلة ذلك إنتماء أهل مكة ـ علي ما يذكر المستشرق هورخرونيه ـ للمذهب الشافعي ، وكذلك الخلفاء العباسيين([iii]) .
ولا يوجد تاريخ محدد لإنشاء هذه المقامات ، إلا أن المستشرق الهولندي هورخرونيه ذهب محددٍ تاريخ ظهور هذه المقامات في المسجد الحرام بالقرن السادس الهجري([iv]) ، وهو الرأي الذي فنده المعلقون علي النسخة المترجمة من كتابه “صفحات من تاريخ مكة المكرمة” ، متبعين ما استنتجه با سلامة من أن تاريخ ظهور هذه المقامات كان ما بين القرنين الرابع والخامس الهجريين([v]) .
أما عن مواقع هذه المقامات ؛ فيصفها لنا الديار بكري ، بأن مقام الإمام الشافعي جهة الشرق خلف مقام إبراهيم عليه السلام مطلاً علي جدار الكعبة الذي به الباب ، وأن مقام الحنفي فهو في الشمال يطل علي الحِجْر والميزاب ، وأن مقام المالكي ففي الغرب يستقبل ظهر الكعبة ، وأن مقام الحنبلي فهو بين الجنوب والشرق جهة الحجر الأسود([vi]) .
أما صفة هذه المقامات ؛ فهي :([vii])
مقام الشافعي : مساحته حوالي 17.68 متراً ، ولمؤذني الشافعية مظلة فوق بناية بئر زمزم تعرف بمظلة المؤذنين .
مقام الحنفي : مساحته 114.3 متراً ، وهو بناء مربع الشكل من طابقين ، طابقه العلوى عبارة عن مظلة للمؤذنين .
مقام المالكي : مساحته 62.48 متراً .
مقام الحنبلي : مساحته 86.87 متراً .
وكانت الصلاة تقام في المسجد الحرام بالترتيب والتعاقب ؛ كما وصف ذلك ابن بطوطة في رحلته ؛ بأنه كان يصلي أولاً إمام الشافعية ، ثم يعقبه إمام المالكية وإمام الحنابلة في وقت واحد ، وأما في صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقتٍ واحد كل إمام بطائفته([viii]) .
ويصف ابن ظهيرة كيفية الصلاة في القرن العاشر الهجري ؛ علي هذا النحو ؛ فيقول :
“ يصلون مرتبين الشافعي في مقام الخليل عليه السلام ، ثم إمام الحنفية بعده في مقامه ، ثم إمام المالكية بعده في مقامه ، ثم إمام الحنبلة بعدهم في مقامه ، وهذا في الفجر والظهر والعصر والعشاء ، وأما في صلاة المغرب فكان فيما أدركناه قريباً يصلي الحنفي والشافعي في وقت واحد فحصل بذلك التخليط والتشويش علي المصلين من الطائفتين بسبب اشتباه أصوات المبلغين “([ix]) .
ويذكر أيوب صبري كيفة صلاة الأئمة الأربعة ، بأن الشافعة كانوا أول من يؤذنون للصلاة ، وأول من يصلي الصبح ، ثم يكون ترتيبهم الثاني في إقامة باقي الصلوات ، وأن إمام المالكية هو أخر المصلين في كافة الصلوات ، ، وإمام الحنابلة ترتيبه الثالث في كافة الصلوات ، وإمام الحنفية ترتيبه الأول ماعدا صلاة الصبح فيكون التالي للشافعية([x]) .
وبسبب البلبلة التي يحدثها هذا الأمر ، نصح بعض العلماء السلطان برقوق بألغاء الصلاة علي المذاهب الأربعة وتوحيدها خلف إمام واحد ، وقد أصدر السلطان فرج بن برقوق أمراً سنة 811 هـ ؛ بجمع الناس في صلاة المغرب ـ فقط ـ خلف إمام ٍ واحد ، غير أن الأمر عاد إلي حاله مرة أخري سنة 816 هـ([xi]) . وقد ألغي الملك عبد العزيز آل سعود هذا النظام بعد أن تولي الحجاز ، ووحد المصلين خلف إمام واحد في الصلوات الخمس وصلاة التراويح ، وذلك منذ 1343 هـ([xii]) .
( [i] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 87 .
وصف ابن جبير حال الحرم سنة 579 هـ ؛ فقال : “ إن للحرم أربعة أئمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية ، وأشراف أهل هذه البلدة علي مذهبهم ” .
محمد بن هزاع الشهري ـ شاهد قبر من أول القرن السابع الهجري لإمام مقام الشافعي بالمسجد الحرام ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 219 .
( [ii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 87 .
( [iii] ) راحع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [iv] ) راحع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [v] ) راحع ؛ المصدر السابق ـ هامش ص ص 87 ـ 88 .
( [vi] ) راجع ؛ الديار بكري ـ ذرع الكعبة المعظمة ومساحة المسجد الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 42 .
( [vii] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص ص 152 ـ 153 .
( [viii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 88 .
( [ix] ) نقلاً عن ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 251 .
( [x] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص ص 152 ـ 153 .
كذلك راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 252 .
( [xi] ) راجع ؛ محمد بن هزاع الشهري ـ شاهد قبر من أول القرن السابع الهجري لإمام مقام الشافعي بالمسجد الحرام ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 222 .
( [xii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 88 .
[...] http://albaital3tiq.wordpress.com/2012/01/05/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3… [...]