“ الحجر ـ بكسر الحاء وسكون الجيم ـ موضع بين الركن الشمامي والعراقي وهو عرضه مرخمة جدارها علي شكل نصف دائرة منقوشة بالرخام . وسمي حِجْراً لأنه منع واقتطع من الكعبة . (والحِجْر) في اللغة (المنع) ، وهو الموضع الذي يصب فيه ميزاب الكعبة “([i]) .
ويسمي بالحطيم والحظيرة ، وقد نهي ابن عباس عن تلك التسمية ، وعندما بنت قريش الكعبة وقصرت بهم النفقة أدخلوا بضعت اذرع من الكعبة في الحِجْر ؛ وكان إبراهيم عليه السلام قد جعله عريشاً إلي جانب الكعبة([ii]) ، ويسمى بالحطيم ، لأنه حطم من البيت ؛ أي كسر منه حيث انقصته قريش من البيت حين جددت بناء الكعبة المشرفة .
وقد سُمِّي بحجر إسماعيل ؛ لأن إسماعيل عليه السلام قد اتخذ إلى جوار الكعبة حجرًا ، وهو عريش من أراك ، وقيل سُمِّي بذلك ؛ لأن قريشًا في بنائها تركت من أساس إبراهيم عليه السلام ، وحجرت على الموضع ليعلم أنه من الكعبة([iii]) . وقد قيل أن به قبر إسماعيل عليه السلام([iv]) .
وقد روت الكثير من الأخبار عما أدخلته قريش من البيت في الحِجْر حين بنت البيت علي عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ، وقد قدمنا لذلك وسردنا عدداً من الأخبار عن ذلك والروايات ، ومنها ما ذكره الأزرقي :
“ حدثني جدي قال : حدثني مالك عن أنس عن ابن أبي شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال ألم تر أن قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ألا تردها علي قواعده ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت “([v]) .
ومنها ما حكاه ابن كثير في تفسيره : “ حديث نافع قال سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر عن عائشة عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر “([vi]) ؛ وهي تلك الروايات التي اعتمد علي مثيلها عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ حين
بني الكعبة ، فقد أعاد تلك الأذرع التي انتقصتها قريش من البيت ، إلا أن الحجاج بن يوسف الثقفي رد ما صنعه عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ عناداً ، وقد بقي علي هذه الكيفية حتى اليوم .
والأزرقي يفرق بين الحِجْر والحطيم ، إذ يقول محدداً الحطيم روياً عن ابن جريح : “ الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر “([vii]) .
وقد وصف لنا أكثر من مصدر الحِجْر وذكر أبعاده ، ، وكان الأزرقي عمدة هذه المصادر جميعاً ؛إذ أكثر كثيرٌ منها الوصف عنه وأضاف له أو عدل عليه . ويصف لنا الأزرقي حِجْر إسماعيل بأن :
“ الحجر مدور وهو ما بين الركن الشامي والركن الغربي وأرضه مفروشة برخام وهو مستو بالشاذوران الذي تحت إزار الكعبة وعرضه من جدار الكعبة من تحت الميزاب إلي جدار الحجر سبعة عشر ذراعاً وثمان أصابع ، وذرع ما بين بابي الحجر عشرين ذراعاً وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً ، وذرع من داخله في السماء ذراع وأربعة عشر إصبعاً ، وذرعه مما يلي الباب الذي يلي المقام ذراع وعشر أصابع وذرع جدار الحجر الغربي في السماء ذراع وعشرون إصبعاً وذرع طول جدار الحجر من الخارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر إصبعاً وطوله من وسطه في السماء ذراعان وثلاث أصابع الرخام من ذلك ذراع وأربع عشرة إصبعاً وعرض الجدار ذراعان إلا إصبعين والجدار ملبس رخاماً وفي أعلاه في وسط الجدار رخامة خضراء طولها ذراعان إلا إصبعين وعرضها ذراع وثلاث أصابع “([viii]) .
ويتابع الأزرقي وصفه الدقيق لأبعاد الحِجْر ؛ فيقول :
” وذرع تدوير الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً وذرع تدوير الحجر من خارج أربعون ذراعاً وست أصابع وذرع ما بين وحدات الحجر من الشق الشرقي إلي الركن الذي فيه الحجر الأسود تسعة وعشرون ذراعاً وأربعة عشر أصبعاً ، وذرع ما بين جدات الحجر من الشق المغرب إلي حد الركن اليماني اثنان وثلاثون ذراعاً وذرع طوف واحد حول الكعبة مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنتا عشر إصبعاً “([ix]) .
وكان المقدسي قد وصفه بلغة صعبة علينا في هذا الزمان ، لكنه أبرز ملمحين في وصفه ؛ هما : أنه جهة الشام من الكعبة ، وأن الميزاب يصب به صباً ، وأن ارتفاع حداره عن الأرض يقارب المتر([x]) .
وقد نال حجر إسماعيل من الرعاية والاهتمام قسطاً وافراً كالبيت والمقام ؛ فعندما حج أبو جعفر المنصور ورأي حجارة الحجر ظاهرة للعين ، أمر أمير مكة وقتها زياد بن عبد الله الحارثي أن يستر جدار الحجر بالرخام ؛ كما جدد المهدي رخامه ، وعندما رث هذا الرخام أمر المتوكل بأن يقلع ويركب رخاماً أحسن منه ، كما جدد رخامه كل من الخليفة المعتضد ، والخليفة الناصر العباسي ، وكذلك المستنصر العباسي ، والملك المظفر صاحب اليمن([xi]) .
وفي العصر المملوكي ؛ أعتني بحجر إسماعيل كل من : والملك محمد بن قلاوون سنة 720هـ ، والملك علي بن الأشرف شعبان سنة 781هـ ، والملك الظاهر برقوق سنة 801هـ ، ثم جرت إصلاحات مختلفة فيه سنة 822هـ ، وعمّره الملك قانصوة الغوري 916هـ ، والسلطان قايتباي سنة 888هـ ؛ ومن العثمانيين السلطان عبد المجيد خان 1260هـ([xii]) .
وقد لحق بحجر إسماعيل الترميم في العصر الحديث ، ففي الترميمات الشاملة التي أُجريت في عصر الملك فهد “ تم إزالة الرخام القديم لجدران وأرضية الحِجْر ، واستبدلت برخام جديد . كما تم تنظيف الفوانيس الموجودة علي الجدران ، وإعادتها إلي موقعها السابق . وتم عمل حاجز من الحبال لمدخل الحِجْر “([xiii]).
( [i] ) إسماعيل أحمد إسماعيل ـ هامش ص 79 .
راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ ص 79 .
( [ii] ) راجع ؛ عبد القدوس الأنصاري ـ التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام ـ مصدر سابق ـ ص 86 .
( [iii] ) راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ ـ رحلة العمر ـ http://www.antomlife.com/Arabic/Hajj2002/maka/article08.shtml
( [iv] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 218 .
( [v] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 171 .
( [vi] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 181 .
( [vii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 23 .
( [viii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 320 – 322 .
( [ix] ) المصدر السابق ـ ص 322 .
( [x] ) راجع ؛ عبد العزيز بن راشد السنيدي ـ مكة المكرمة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص ص 163 ـ 164.
( [xi] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 215 .
( [xii] ) راجع ؛ موقع إسلام أون لاين ـ ـ رحلة العمر ـ http://www.antomlife.com/Arabic/Hajj2002/maka/article08.shtml
( [xiii] ) حسين عبد الله با سلامة ـ تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها ـ مصدر سابق ـ ص 473 .