المنبر

لم يكن استعمال الخطباء للمنابر في الإسلام من باب الترف كما يقول المستشرق الهولندي هورخرونيه([i]) ؛ فقد استخدم الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ المنبر في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ، وكانت الغاية من استخدام المنبر أن يكون الخطيب في مكانٍ مرتفع ليتمكن المصلين من رؤيته والاستماع إليه . ففي “لسان العرب” : “ والمِنْبَر : مَرْقاةُ الخاطب ، سمي مِنْبراً لارتفاعه وعُلُوِّه . وانْتبر الأميرُ : ارتفع فوق المنبر ([ii]) .

لقد ظل المسجد الحرام بلا منبر طوال عهد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ؛ علي قصره الزماني بمكة ؛ وظل هكذا أيضاً طيلة فترة خلافة الخلفاء الراشدين ؛ فكان الخلفاء والولاة يخطبون يوم الجمعة قياماً علي الأرض في وجه الكعبة وفي الحجر([iii]) ، حتى زار معاوية بن أبي سفيان مكة حاجاً فأمر بصناعة منبر صغير من ثلاث درجات ، ويروي الأزرقي بسنده أن “ أول من خطب بمكة علي منبر ، معاوية بن أبي سفيان ، قدم من الشام سنة الحج في خلافته ، منبر صغير علي ثلاثة درجات ، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك ، يخطبون يوم الجمعة علي أرجلهم قياماً في وجه الكعبة وفي الحجر ([iv]) . وقد قرأت أول خطبة من فوق هذا المنبر سنة 44 هـ / 664 م([v]) . وقد ظل هذا المنبر الذي أمر بصنعه معاوية قائماً حتى استبدله هارون الرشيد بأخر ، يقول الأزرقي :

وكان ذلك المنبر الذي جاء به معاوية ، ربما خرب ، فيعمر فلا يزاد فيه ، حتى حج الرشيد هارون أمير المؤمنين في خلافته ، وموسى بن عيسى عامل له علي مصر فأهدي له منبراً عظيماً في تسع درجات منقوش ، فكان منبر مكة ، ثم أخذ منبر مكة القديم فجعل بعرفة ، حتى أراد الواثق بالله الحج فكتب ، فعمل له ثلاث منابر : منبر مكة ، ومنبر بمنى ، ومنبر بعرفة ([vi]) .

وقد تم استبدال المنبر بعد ذلك عدة مرات ، منها ما كان في عصر السلاطين المماليك ؛ كما يذكر أيوب صبري في كتابه “مرآة مكة” ؛ فقد أرسل الملك الأشرف منبراً سنة 766 هـ / 1364 م ، وأرسل الملك برقوق منبراً أخر سنة 797 هـ / 1394 م ، وكذلك السلطان قايتباي سنة 881 هـ / 1476 م([vii]) ؛ وفي سنة 866 هـ ارسل الملك الناصر حوشقدم منبراً خشبياً ، وفي سنة 877 هـ ارسل الملك الأشرف قايباي منبراً خشبياً خطب عليه سنة 881 هـ([viii]) .

وقد عمر بالمسجد الحرام المنبر الذي أمر به السطان سليمان خان سنة 956 هـ / 1549 م([ix]) ، وقد صنع في استانبول صناعة يدوية([x]) ، وقد ركب إلي جانب المقام الإبراهيمي من الجهة الشمالية ، وهو مصنوع من الرخام الأبيض ، وعرضه 1.88 متر ، وعرضه 80 سنتيمتر ، وبه 13 درجة تنتهي بمقعد الخطيب ، وهو يرتفع عن الأرض 4.37 متر ، وارتفاعه 10.47 متر([xi]) .

أما صفة هذا المنبر ، فإنه يتكون من ثلاثة قطع :([xii])

الأولي : باب المنبر ، وله فتحة نصف دائرية عليه حلية مزخرفة علي شكل تاج .

الثانية : المصعد ، ويعلو جسم المنبر علي شكل مثلث قائم الزاوية عليه زخارف هندسية ، وداخل هذا المثلث يوجد مثلثين أصغر حجماً ، أسفلهما أربع نوافذ نصف دائرية .

الثالثة : مئذنة المنبر ، وهي علي شكل قلم([xiii]) ، والجزء العلوي منها به تضليعات طولية بها أربعة نوافذ تطل علي الجهات الأربعة .

ويصف إبراهيم رفعت هيئة الخطيب يوم الجمعة في زمانه ؛ فيقول :

والعادة الآن بل ومن قديم الزمان أنه إذا أراد الخطيب أن يخطب للجمعة يقبل بين شخصين من الأغوات يتهادي بينهما بيد كل منهما راية ، ثم يعمد إلي الحجر الأسود فيقبله ويدعو عنده ، ثم يقصد إلي المنبر بين الأغوات وأمامه شخص ثالث يضرب بالفرقعة ـ عود به جلد رقيق ـ في الهواء فيسمع من في داخل المسجد وخارجه صوتها الشديد ، ويقصد بذلك إعلام الناس بخروج الخطيب ، فإذا ما كان علي باب المنبر ناوله شخص هنالك سيفاً وثبتت الرايتان بجانب المنبر ، فإذا ما رقي الدرجة الأولي ضربها بسيفه ضربة مسموعة ، وكذلك يفعل في الدرجة الثانية والثالثة ، فإذا ما وصل إلي العليا فعل بها كذلك ثم يدعو بدعاءٍ خفي ويسلم علي الناس يميناً وشمالاً فيردون عليه ، ثم يأخذ المؤذنون علي ظهر زمزم في الأذان الثاني وبعد الفراغ منه يشرع في الخطبة ومما يقوله فيها : اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد ما طاف بهذا البيت طائف ويشير بأصبعه إلي الكعبة ويدعو للخلفاء الأربعة وعمي النبي صلي الله عليه وسلم وسبطيه وأمهما وجدتهما وكذلك يدعو للخليفة وأمير مكة وإذا فرغ من الخطبة صلي وانصرف بجانبيه حاملا الرايتين وبين يديه المفرقع يعلم الناس بانتهاء الخطبة والصلاة ([xiv]) .

ويعلق إبراهيم رفعت([xv]) علي ما سرده من وصف هيئة الخطيب يوم الجمعة ؛ بقول الله عز وجل : { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } .

أما عن رفع المنبر من ساحة المسجد الحرام ؛ فلدينا روايتين متضاربتين عنه ؛ ترد أولاهما في هامش محقق كتاب “إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” ، وتقول بأن المنبر رفع من ساحة الحرم لأنه تعرض للكسر نتيجة الاعتداءات التي وقعت علي الحرم في غرة شهر محرم سنة 1400 هـ ، وأنه نقل لإلي متحف الحرم لإصلاحه وترميمه([xvi]) .

أما الثانية فيورها المعلقون علي كتاب “صفحات من تاريخ مكة المكرمة” ؛ وتقول بأن مبني المنبر قد أزيل من الساحة الحرم أثناء مشروع توسعة المطاف سنة 1399 هـ([xvii]) .


( [i] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 82 .

( [ii] ) ابن منظور ـ لسان العرب ـ مادة : ن ب ر .

( [iii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 252 .

( [iv] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 99 ـ 100 .

( [v] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [vi] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 100 .

( [vii] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [viii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 253 .

( [ix] ) راجع ؛ المصد السابق ـ ص ص 150 ـ 151 .

         كذلك راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ  ص 82 .

         غير أن إسماعيل أحمد إسماعيل محقق كتاب “ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام” يذكر أن التاريخ كان سنة 966 هـ ، ويكرر هذا التاريخ .

         راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 75 و 76 .

         أما وليد سيد حسنين ، فإنه يذكر في هامشه أن التاريخ سنة 966هـ / 1557م ، وهو تاريخ مغاير لما ذكره وأثبته في المتن .

         راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

         وكذلك الهامش في الصفحة ذاتها .

        أما في هامش صفحة 150؛ فهو يورد نقلاً عن إبراهيم رفعت ما يؤرخ به لإرسال المنبر بسنة 966هـ / 1558 م ، وتتكرر في ذات الهامش مرتين .

       راجع ؛ المصدر السابق ـ هامش ص 150 .

( [x] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [xi] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 75 .

( [xii] ) راجع ؛ وليد سيد حسنين محمد ـ وصف الأماكن المقدسة وتاريخها في كتاب “مرآة مكة” لأيوب صبري باشا دراسة في أدب الرحلات ـ مصدر سابق ـ ص 151 .

( [xiii] ) الشكل القلمي للمئذنة هو النمط السائد في المأذن العثمانية ، وهو النمط الطرازي المميز لها .

( [xiv] ) إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 254 ـ 255 .

( [xv] )  راجع ؛ المصدر السابق ـ ص 255 .

( [xvi] ) راجع ؛ العبدري الحجبي ـ إعلام الأنام بتاريخ بيت الله الحرام ـ مصدر سابق ـ هامش ص 76 .

( [xvii] ) راجع ؛ ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ هامش ص 82 .

One comment to المنبر

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s