إن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج ، ويصفهما ياقوت الحموي في “معجم البلدان” ؛ بأنهما جبلان بين بطحاء مكّة والمسجد . فأمّا الصفا ؛ فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق ، ويذكر أن من وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود . والصفا في الأصل جمع صفاة ، وهي الحجر العريض الأملس ، والمراد به هنا مكان عال في أصل جبل أبي قبيس جنوب المسجد قريب من باب الصفا ، وهو شبيه بالمصلى طوله ستة أمتار ، وعرضه ثلاثة ، وارتفاعه نحو مترين كذلك كان([i]) .
أما المروة في الأصل واحد المرو ، وهي حجارة بيض ، والمراد هنا مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان في الشمال الشرقي للمسجد الحرام قرب باب السلام ، وطوله أربعة أمتار ، في عرض مترين ، وارتفاع مترين([ii]) .
والطريق الذي بين الصفا والمروة هو (المسعى) مكان السعي ، والمسعى الآن داخل في المسجد الحرام نتيجة التوسعة السعودية سنة 1375 هـ([iii]) .
وأول من سعي بين الصفا والمروة كان هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام بحثاً عن الماء أو مغيث كما تذكر معظم الروايات ، ومنها ما رواه الطبري في تفسيره :
“ لـما فرّت من سارة ، أَرْخَتْ من ذيـلها لتعفـي أثرها ، فجاء بها إبراهيـم ومعها إسماعيـل حتـى انتهى بهما إلـى موضع البـيت ، فوضعهما ثم رجع ، فـاتبعته ، فقالت : إلـى أيّ شيء تكلنا ؟ إلـى طعام تكلنا ؟ إلـى شراب تكلنا ؟ فجعل لا يردّ علـيها شيئاً ، فقالت : آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا “([iv]) .
وعادت هاجر إلي وليدها ، ومضي إبراهيم عليه السلام مطلقاً دعوته : { رَبّ إنّـي أسْكَنْتُ منْ ذُريَّتِـي بَوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَـيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً منَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهمْ وَارْزُقْهُمْ منَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ، وكان معها بعض الماء ، وظلت تشرب منه حتي ” نفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها ، فعطش الصبيّ ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصعِدَت بالصفا ، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً فلم تسمع ، فانحدرت ، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي ، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتاً ، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً ، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه : صه حتى استيقنت ، فقالت : قد أسمعتني صوتك فأغثني ، فقد هلكتُ وهلك من معي فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عيناً ، فعجلت الإنسانة فجعلت فـي شَنَّتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رَحِمَ اللّهُ أُمّ إسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِيناً » “([v]) .
ويذكر المستشرق الهولندي هورخرونيه “ أن الصفا والمروة كانتا تلتين مرتفعتين ، لكنهما الآن لا يرتفعان إلا قليلاً عن مستوى الشارع “([vi]) . ولعل ذلك بسبب ما استحدثه الخلفاء والسلاطين من عمارة علي الصفا والمروة ، وما جلبته السيول من طين علي مر الأزمان المتوالية . ففي عهد المنصور بنا عامله درجاً علي ما ذكر الأزرقي ؛ “ كان الصفا والمروة يسند فيهما من سعى بينهما ، ولم يكن فيهما بناء ولا درج ، حتى كان عبد الصمد ابن علي في خلافة أبو جعفر المنصور ، فبني درجهما التي هي اليوم درجهما ، فكان أول من أحدث بناءهما “([vii]) ؛ ثم طليت في خلافة المأمون ، ثم جدد الدرج السلطان برقوق سنة 802 هـ([viii]) ضمن ما جدد بالمسجد الحرام بعد السيل الذي اجتاح المسجد الحرام في الثامن من جمادى الأولى سنة 802 هـ([ix]) . ثم جددها السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1296 هـ ، وفي سنة 1314 هـ سقف الملك الحسين بن علي المسعى ، ثم بلط في عهد الملك عبد العزيز آل سعود سنة 1354 هـ([x]) .
ويصف إبراهيم رفعت الصفا والمروة سنة 1325 هـ ؛ كالتالي :([xi])
- ارتفاع الصفا : 6 أمتار .
- عرض الصفا : 3 أمتار .
- المسافة من الصفا إلي الميل الأخضر الأول : 70 متراً .
- المسافة بين الميلين الأخضرين : 75 متراً .
- المسافة بين الميل الأخضر الثاني والمروة : 240 متراً .
وفي مشروع التوسعة السعودية الأولي ، وفي المرحة الأولي منها ؛ 1377 ـ 1378هـ ؛ فقد تم بناء المسعى بطابقين من فوق الممر التاريخي القائم ، وقد بلغ طول المسعى 394.5 متراً ، وعرضه 20 متراً ، وارتفاع الطابق الأول 12 متراً ، والثاني 9 أمتار ، كما أقيم في وسط المسعى حاجز يقسمه إلي قسمين ؛ أحدهما للذاهبين من الصفا إلي المروة ، والأخر للعائدين من المروة إلي الصفا ؛ وهذا الحاجز لمنع التصادم والزحام . كما تم بناء سلم دائري للصفا وأخر للمروة ، أحد جانبيه للصعود والأخر للهبوط . كما جعل للطابق الأول من المسعى ثمانية أبواب علي الواجهة الشرقية للشارع العام للدخول إلي المسجد الحرام . كما جعل للطابق الثاني من المسعى أربعة مداخل ، اثنان عند الصفا أحدهما مدخله خارج الحرم والثاني داخل المسجد ، واثنان عند المروة علي غرار السابقين . كما بني تحت الطابق الأول طابق سفلي بلغ ارتفاعه 3.5 متر مستوى سطحه في مستوي أرض الحرم([xii]).
( [i] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 320 .
كذلك راجع ؛ موقع الحج والعمرة : http://www.tohajj.com/Display.Asp?Url=fqh029.htm
( [ii] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 321 .
( [iii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [iv] ) الطبري ـ تفسير الطبري ـ الجزء الثالث عشر ـ مصدر سابق ـ ص 152 .
( [v] ) المصدر السابق نفسه .
( [vi] ) ك. سنوك هورخرونيه ـ صفحات من تاريخ مكة المكرمة ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 97 ـ 98 .
( [vii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 120 .
( [viii] ) راجع ؛ المصدر السابق نفسه .
( [ix] ) راجع ؛ رشدي صالح ملحس ملحق بكتاب : الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار .
راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص 314 .
( [x] ) راجع المصدر السابق ـ هامش ص 120 .
( [xi] ) راجع ؛ إبراهيم رفعت ـ مرآة الحرمين ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 34 .
( [xii] ) راجع ؛ رشدي صالح ملحس ملحق بكتاب : الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار .
راجع ؛ الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الثاني ـ مصدر سابق ـ ص ص 332 – 333 .
كذلك راجع ؛ لبيك اللهم ـ وزارة الإعلام ـ مصدر سابق ـ ص 68 .
[...] http://albaital3tiq.wordpress.com/2012/01/05/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85… [...]