هو ذلك الحجر الذي وضع في الركن الشرقي من الكعبة ليكون دلياً يبتدئ من عنده الطواف ، وهو يرتفع عن الأرض حوالي متر ونصف ويوجد داخل طوق سميك من الفضة ، وكتب التاريخ والتفاسير مليئة بالأخبار عن أصل هذا الحجر ، وما تعرض له من أحداث .
فالفاسي يروي عن ابن عباس نقلاً عن الأزرقي أن الله أنزل الحجر الأسود مع آدم ليلة نزل ليستأنس به([i]) . كما يروي الفاكهي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال : “ أنزل الحجر ملك من الجنة “([ii]) ، دون أن يحدد الملاك بأنه جبريل عليه السلام كما في الكثير من الأخبار الأخرى ، ويذكر ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً }* ، “ فهبطوا ونزل آدم بالهند ونزل معه الحجر الأسود “([iii]) . ولدينا من الروايات والأخبار ما يروي أن الحجر قد جاء به جبريل عليه السلام لإبراهيم عند إتمام رفع القواعد ، منها ما ذكره ابن كثير في تفسيره : “ فبنى إبراهيم وبقي الحجر فذهب الغلام يبغي شيئا فقال إبراهيم أبغني حجراً كما آمرك قال فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل عليه السلام من السماء فأتماه “([iv]) ، وفي رواية أخري ـ يوردها ابن كثير ـ أن جبريل عليه السلام جاءه به من الهند([v]) .
ولدينا العديد من الروايات التي تؤكد علي أن الحجر الأسود كان أبيض ، منها ما رواه الفاكهي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال : “ الحجر الأسود من الجنة ، وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك “([vi]) ، “ وقد كشف لنا الرواة الأثبات أنه كان حجراً أبيض اللون ، ناصع البياض ، ولكن الحرائق التي أصابت الكعبة أحالته إلي لونه الأسود الحالي “([vii]) ، ولعل أهم هذه الحرائق الحريق الذي كان علي عهد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قبل البعثة ، حين عمدت مرأة إلي تبخير الكعبة بمجمرة فأحترقت وكانت أحد الأسباب التي وقفت وراء إعادة بناء قريش للكعبة ، فكما روي الأزرقي بسنده : “ أن امرأةً ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها وكانت ركاماً بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة وهنت جدرانها من كل جانب وتصدعت وكانت الخرف الأربعة عليهم مظللة والسيول متواترة “([viii]). ولعل منها ذلك الحريق الذي حدث أثر ضرب الكعبة بالمنجنيق علي عهد عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما . ويروي الفاكهي عن مجاهد بسنده أنه قال : “ نظرت إلي الركن حين نقض ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ البيت فإذا كل شيء من داخل البيت أبيض … قال مجاهد : إنما أسود ما ظهر منه لأن المشركين كانوا يلطخونه بالدم في الجاهلية “([ix]) .
وكانت قريش تجل الحجر الأسود ، ولعل تلك الفتنة التي حدثت بينهم حال بنائهم للبيت علي عهد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لخير شاهد علي إجلالهم للحجر الأسود ، وهو ما يحكيه لنا ابن كثير قائلاً :
” قال بن إسحاق ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلهم قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل رسول الله فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال (صلي الله عليه وسلم) : هلم إلى ثوباً فأتى به فأخذ الركن يعني الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم أرفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده (صلي الله عليه وسلم) ثم بنى عليه وكانت قريش تسمى رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قبل أن ينزل عليه الوحي ( الأمين ) “([x]) .
وقد تعرض الحجر الأسود للقلع والكسر ، وقد روى لنا المؤرخون الكثير عن هذا . فقد تعرض للسرقة علي يد القرامطة سنة 317 هـ([xi]) ، والفاسي يحكي لنا عما فعله القرامطة بالحجر الأسود فيقول :
“ ذكر أهل التاريخ أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة تسع عشرة وثلاثمائة .. وفعل فيها هو وأصحابه أموراً منكرة منها أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه وقيل قلعه جعفر بن فلاح البناء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشر خلت من ذي الحجة وذهب به إلي بلاده هجر([1]) بقي موضعه في الكعبة المعظمة خالياً يضع الناس فيه أيديهم للتبرك “([xii]) .
وقد بقي الحجر عند القرامطة في البحرين نحو عشرين عاماً ؛ إلي أن قام الشريف أبي علي بن عمر بن يحيي العلوي بالوساطة بين القرامطة والخليفة المطيع لله([xiii]) ، فردوه إلي موضعه بالكعبة ، ويصف الفاسي يوم أن رد الحجر إلي موضعه فيقول :
إلي حين رد إلي موضعه من الكعبة المعظمة وذلك في يوم الثلاثاء يوم النحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة علي ما ذكره المسبحي وذكر أن الذي وافي به مكة سنبر بن الحسن القرمطي وأن سنبرا لمل صار بفناء الكعبة ومعه أمين مكة أظهر الحجر من سفط وعليه ضبار فضة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقاً حدثت عليه بعد انقلاعه وأحضر معه جصاً يشد به فوضع سنبر الحجر بيده وشده الصانع بالجص وقال سنبر لما رده أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئة الله ونظر الناس إلي الحجر فتبينوه وقبلوه واستلموه وحمدوا الله تعالى “([xiv]) .
ثم أن السدنة ـ كما يذكر الفاسي ـ “ في سنة أربعين وثلاثمائة قلع الحجبة الحجر الأسود الذي نصبه سنبر وجعلوه في الكعبة خوفاً عليه وأحبوا أن يجعلوا له طوقاً من فضة يشد به كما كان قديماً حين عمله ابن الزبير فأخذ في إصلاحه صانعان حاذقان فعملا له طوقاً من فضة وأحكماه “([xv]) .
ولم يسلم الحجر الأسود من الأذى بعد فتنة القرامطة ، فإنه “ في سنة ثلاث عشر وأربعمائة يوم النفر الأول قام رجل فقصد الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات . بدبوس وتخربش وجه الحجر من تلك الضربات وتساقطت منه شظايا مثل الأظافر .. وتشقق وخرج أسمر يضرب إلي الصفرة محبباً مثل الخشخاش فأقام الحجر علي ذلك يومين ثم إن بني شيبة جمعوا الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذلك “([xvi]) .
والحجر الأسود موجود حالياً في موضعه في الركن الشرقي من الكعبة المسمى باسمه لأنه علم ، وأنه مازال هو العلامة لبدء الطواف باستلامه .
( [i] ) راجع ؛ الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 191 .
( [ii] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 83 .
( [iii] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 81 .
( [iv] ) المصدر السابق ـ ص 179 .
( [v] ) راجع المصدر السابق نفسه .
( [vi] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 84 .
( [vii] ) عبد القدوس الأنصاري ـ التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام ـ مصدر سابق ـ ص 85 .
( [viii] ) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء بها من الآثار ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 160 .
وقد ذكر السيوطي نحوه ، من تخريج البيهقي عن ابن شهاب .
راجع ؛ السيوطي ـ الدر المنثور ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 309 .
( [ix] ) الفاكهي المكي ـ أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 92 .
( [x] ) ابن كثير ـ تفسير ابن كثير ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص ص 181 ؛ 182 .
( [xi] ) محمد بن عبد الله القدحات ـ جهود الخلافة العباسية في عمارة الحرمين الشريفين ومشاعر الحج في الحجاز ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 119.
( [xii] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 193 .
( [xiii] ) محمد بن عبد الله القدحات ـ جهود الخلافة العباسية في عمارة الحرمين الشريفين ومشاعر الحج في الحجاز ـ مجلة الدارة ـ مصدر سابق ـ ص 120.
( [xiv] ) الفاسي ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ الجزء الأول ـ مصدر سابق ـ ص 193 .
( [xv] ) المصدر السابق ـ ص ص 193 – 194 .
( [xvi] ) المصدر السابق ـ ص 194 .
[...] http://albaital3tiq.wordpress.com/2012/01/05/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3… [...]